→ كتابات

إذا ضربت أميركا جبل الفأس الإيراني: هل يصمد الغرانيت أمام القنابل الخارقة أم تدخل المنطقة العصر النووي؟

جبل الفأس الغرانيتي قرب نطنز في وسط إيران، صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

دراسة استراتيجية وتقنية في أربعة سيناريوهات افتراضية: من القصف التقليدي إلى السلاح الهيدروجيني

في قلب إيران، على مسافة نحو 220 كيلومتراً جنوب طهران، وعلى مقربة من منشأة نطنز النووية، يرتفع جبل الفأس، المعروف بالإنكليزية باسم Pickaxe Mountain، أو «كوه كولنغ غاز لا» بالفارسية.

لم يعد هذا الجبل مجرد تضاريس طبيعية، بل تحوّل إلى أحد أكثر المواقع غموضاً في المواجهة النووية بين الولايات المتحدة وإيران.

فالمنشأة المحفورة داخله تتمتع بحماية طبيعية توفرها طبقات من الصخور الغرانيتية، ما يطرح سؤالاً استراتيجياً خطيراً: ماذا لو قررت الولايات المتحدة تدميرها، واكتشفت أن أقوى قنابلها التقليدية عاجزة عن بلوغها؟

هل تكتفي واشنطن بتعطيل المنشأة، أم تفكر في تجاوز الخط الأحمر النووي؟

أولاً: جبل يرتفع 1,600 متر، فما عمق المنشأة فعلياً؟

هنا يجب تصحيح معلومة متداولة: يبلغ ارتفاع الجبل نحو 1,608 أمتار فوق مستوى سطح البحر، لكن ذلك لا يعني وجود 1,500 متر من الغرانيت فوق المنشأة.

تشير التقديرات المستندة إلى صور الأقمار الصناعية إلى أن بعض أجزائها تقع على عمق يقارب 80 إلى 100 متر، وربما أكثر، فيما لا تزال الهندسة الداخلية غير معروفة.

ويختلف الغرانيت عن التربة العادية في صلابته ومقاومته للاختراق. فهو صخر ناري كثيف، تتراوح كثافته عادة بين 2,600 و2,750 كيلوغراماً للمتر المكعب، ويتمتع بمقاومة عالية للضغط.

لكن مقاومة الجبل لا تتوقف على نوع الصخر وحده. فالتشققات الطبيعية والفواصل الجيولوجية وعمق الحجرات وطريقة إنشائها كلها عوامل تحدد مدى انتقال الصدمات والانهيارات.

والأهم أن المعلومات الاستخباراتية العلنية لا تثبت أن الجبل يحتوي حالياً على منشأة تخصيب عاملة. ففي 16 تشرين الأول 2026، أفاد معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS)، وهو مركز أبحاث أميركي مستقل، بأن صور الأقمار الصناعية الملتقطة في السابع من الشهر نفسه تُظهر، وفق تحليله، استمرار إغلاق المداخل الرئيسية، ورجّح ألا تكون المنشأة قيد التشغيل أو تشهد أعمال بناء كبيرة في ذلك الوقت. ويبقى هذا تقديراً مستنداً إلى صور خارجية، لا تأكيداً قاطعاً.

وبالتالي، لا يُعرف بصورة مؤكدة ما إذا كانت المنشأة تضم أجهزة طرد مركزي، أو مواد نووية، أو مجرد معدات مرتبطة بالبرنامج الإيراني.

ثانياً: السيناريو الأول: القصف التقليدي الهائل

لنفترض أن واشنطن قررت توجيه ضربة كبيرة باستخدام صواريخ دقيقة وقنابل تقليدية شديدة الانفجار.

يمكن لهذه الضربات أن تحدث انهيارات صخرية محلية، وتلحق أضراراً بالمنشآت الخارجية، وتعطّل استخدام المجمع لفترة قد تطول أو تقصر وفقاً لحجم الضرر وقدرة الإيرانيين على الإصلاح.

وقد تستخدم الولايات المتحدة قنابل ضخمة من فئة GBU-43/B المعروفة باسم «أم القنابل»، وهي أسلحة غير نووية صُممت لإحداث موجة انفجارية وضغط هائلين، لكنها ليست قنابل مخصصة للاختراق العميق للغرانيت.

ويكمن الفرق بين تدمير المنشأة وتعطيلها في أن انهيار جزء من الجبل لا يعني بالضرورة انهيار حجراته الداخلية.

وهكذا، قد تُعلن واشنطن نجاح العملية، فيما يبقى قسم من المنشأة سليماً، ويظل حجم الأضرار الفعلية مجهولاً.

هذا هو الاحتمال الذي يجعل الجبال حصوناً استراتيجية: قد تتوقف المنشأة عن العمل من دون أن تكون قد دُمّرت.

ثالثاً: السيناريو الثاني: القنابل الخارقة GBU-57

تمتلك الولايات المتحدة قنبلة GBU-57، المعروفة باسم Massive Ordnance Penetrator، وهي من أقوى القنابل التقليدية المصممة لاختراق المنشآت المحصنة تحت الأرض.

يبلغ وزنها الإجمالي نحو 13.6 طناً، وتحمل شحنة شديدة الانفجار داخل جسم معدني مصمم لتحمّل الاصطدام بالصخور والتربة والمنشآت المحصنة.

وتنقلها القاذفة الشبحية الأميركية B-2.

تشير التقديرات العلنية إلى قدرة اختراق قد تصل إلى نحو 60 متراً في ظروف أرضية معينة، فيما تكون المسافة أقل في الصخور الأكثر صلابة. وهذه الأرقام ليست ضمانات هندسية ثابتة، ولا يمكن تطبيقها مباشرة على جبل الفأس من دون معلومات جيولوجية دقيقة.

إذا كانت الحجرات الرئيسية تقع تحت نحو 100 متر من الغرانيت، فلا يوجد أساس علمي علني للجزم بأن هذه القنبلة تستطيع بلوغها مباشرة.

لكن القنبلة لا تحتاج دائماً إلى اختراق حجرة داخلية لإحداث ضرر. فالانفجار يمكن أن يسبب اهتزازات وانتقال موجات ضغط وتشوهات في الكتلة الصخرية، وإن كانت آثارها تتراجع وتتغير بحسب المسافة والجيولوجيا.

وفي سيناريو افتراضي تتعرض فيه المنطقة لقصف متكرر، قد تتراكم الأضرار السطحية وتزداد التشققات، من دون أن يضمن ذلك فتح ممر مباشر إلى العمق.

والنتيجة المحتملة هي منشأة معزولة أو متضررة أو متوقفة عن العمل، لا منشأة ثبت تدميرها نهائياً.

رابعاً: السيناريو الثالث: استخدام سلاح نووي تكتيكي

هنا ننتقل من حرب تقليدية إلى تحول استراتيجي غير مسبوق منذ عام 1945.

لنفترض، في سيناريو خيالي، أن الإدارة الأميركية استنتجت أن الضربات التقليدية غير كافية، وقررت استخدام سلاح نووي محدود القدرة ضد المنطقة الجبلية.

يختلف الانفجار النووي جذرياً عن انفجار القنبلة التقليدية.

فبدلاً من الاعتماد على التفاعل الكيميائي للمتفجرات، يحرر السلاح النووي طاقة هائلة من التفاعلات النووية، مولّداً موجات ضغط وحرارة وإشعاعات مؤينة.

عند حدوث انفجار نووي قريب من سطح الأرض، قد تتعرض الصخور لتكسير عنيف وصدمات أرضية وحرارة شديدة، مع احتمال تكوّن حفرة كبيرة وانهيارات محلية.

لكن حتى السلاح النووي ليس آلة سحرية تحفر تلقائياً إلى عمق 100 متر أو 1,500 متر. فالنتيجة تعتمد على طبيعة الانفجار والجيولوجيا وشكل المنشأة ودرجة اقتران الطاقة بالكتلة الصخرية.

قد تتضرر الحجرات الداخلية بشدة، وقد ينهار جزء من المجمع، ولكن لا يمكن استنتاج حجم التدمير من قوة الانفجار وحدها.

والأخطر أن السلاح النووي سيخلق خطراً إشعاعياً جديداً ومستقلاً عن أي مواد إيرانية موجودة داخل المنشأة.

فإذا لامس الانفجار النووي سطح الأرض وأثار كميات كبيرة من الصخور والغبار، يمكن أن تختلط هذه المواد بالنواتج الانشطارية المشعة وتتحول إلى تساقط إشعاعي تحمله الرياح.

وقد يصبح التحدي الأول بالنسبة إلى السلطات الإيرانية حماية السكان، ومراقبة الهواء والمياه، وتحديد مناطق التلوث.

أما إذا وقع انفجار تحت الأرض واحتُويت نواتجه بصورة فعالة، فقد يكون الانبعاث الجوي أقل بكثير، لكن الاحتواء لا يمكن افتراضه في منشأة جبلية متضررة، خصوصاً مع احتمال وجود تشققات ومسارات لتسرّب الغازات.

خامساً: السيناريو الرابع: قنابل GBU ثم انفجار هيدروجيني

هذا هو السيناريو الأكثر تطرفاً، وهو افتراض نظري لا يستند إلى إعلان أميركي عن قرار باستخدام قنبلة هيدروجينية.

تخيل أن الهجوم التقليدي ألحق أضراراً بالجبل لكنه لم يؤكد تدمير المنشأة، ثم وقع تصعيد إلى استخدام سلاح نووي حراري.

السلاح الهيدروجيني يعتمد على تفاعلات الاندماج النووي، مع استخدام تفاعل انشطاري لبدء العملية في التصاميم المعروفة. وهو ليس سلاحاً خالياً من التلوث الإشعاعي، كما أن وصف «هيدروجيني» وحده لا يحدد قوته التفجيرية.

وفي حال استخدام سلاح ذي طاقة تدميرية كبيرة جداً، يمكن أن تتجاوز الأضرار حدود المنشأة إلى مساحة أوسع من التضاريس والمنشآت والسكان.

وإذا سبقت ذلك انفجارات تقليدية أدت إلى تكسير الصخور، فإن هذه الأضرار لا تتيح التنبؤ بصورة موثوقة بما إذا كان الانفجار النووي اللاحق سيصل إلى الحجرات الداخلية أو سيحقق تدميراً كاملاً.

لكنها تضيف عاملاً آخر من عدم اليقين الجيولوجي والبيئي.

قد تتشكل سحابة من الغبار والمواد المشعة، وتصبح المنطقة معرضة لتلوث متفاوت الشدة وفقاً لخصائص الانفجار والطقس.

وفي هذه الحالة لن تكون القضية مجرد تعطيل برنامج نووي إيراني، بل استخدام سلاح نووي ضد دولة أخرى، بما يحمله ذلك من احتمال توسع الحرب وتصعيدها بصورة يصعب ضبطها.

سادساً: هل يمكن أن يحدث «تشرنوبيل إيراني»؟

هنا تظهر ضرورة التمييز بين ثلاثة أخطار مختلفة.

الخطر الأول: اليورانيوم الموجود داخل المنشأة.

إذا كان جبل الفأس يضم معدات تصنيع أجهزة الطرد المركزي فقط، ولا يحتوي على كميات مهمة من المواد النووية، فإن القصف التقليدي لن يخلق بالضرورة تلوثاً إشعاعياً واسعاً.

أما إذا كان يحتوي على اليورانيوم أو مركباته، فقد يؤدي تدمير المعدات والحاويات إلى تلوث موضعي، تختلف خطورته وفق الكميات والحالة الكيميائية وطرق الانتشار.

الخطر الثاني: المركبات الكيميائية المستخدمة في التخصيب.

يُستخدم سادس فلوريد اليورانيوم (UF6) في عمليات تخصيب اليورانيوم. وإذا تسرّب وتفاعل مع رطوبة الهواء، فقد ينتج فلوريد الهيدروجين ومركبات يورانيوم سامة.

وهنا قد يكون الخطر الكيميائي المباشر على العاملين والفرق القريبة أكثر إلحاحاً من الخطر الإشعاعي الخارجي.

الخطر الثالث: الإشعاع الناتج عن السلاح النووي الأميركي المفترض.

وهو الأخطر في سيناريو الانفجار النووي، بسبب النواتج المشعة التي يولدها السلاح نفسه، وإمكانية انتقال بعض هذه المواد مع الغبار والرياح.

ومن الخطأ تشبيه منشأة تخصيب اليورانيوم تلقائياً بمفاعل تشرنوبيل. فالمفاعل التشغيلي يحتوي على مخزون مختلف من النواتج الانشطارية، بينما لا ينشأ انفجار نووي من مجرد قصف مخزون من اليورانيوم المخصب.

بعبارة أخرى: لا تتحول منشأة التخصيب إلى قنبلة ذرية بفعل تعرضها للقصف.

سابعاً: هل تصل الإشعاعات إلى الخليج ولبنان والعراق؟

في سيناريو انفجار نووي يؤدي إلى تساقط إشعاعي، لا تتحدد مناطق الخطر بالمسافة الجغرافية وحدها.

فاتجاه الرياح، وارتفاع السحابة، والأمطار، وحجم الجزيئات المشعة، كلها تحدد مسارات الانتشار وترسّب المواد على الأرض.

وقد تقع أخطر المناطق خارج مركز الانفجار في اتجاه الرياح، فيما تكون مناطق أخرى أبعد أو حتى أقرب أقل تعرضاً.

لذلك لا يمكن القول إن لبنان أو العراق أو دول الخليج ستتعرض حتماً لتلوث إشعاعي خطر، كما لا يجوز استبعاد الانتقال عبر الحدود من دون قياسات ونماذج أرصاد جوية.

وتكمن مخاطر التلوث في استنشاق الجسيمات، وتلوث المياه والتربة والمنتجات الزراعية، بالإضافة إلى التعرض الخارجي للإشعاع.

وقد تستمر بعض الآثار البيئية فترة طويلة، بحسب أنواع النظائر المشعة وكمياتها ومواقع ترسّبها.

وسيحتاج تحديد المناطق الآمنة إلى مراقبة إشعاعية مستقلة، وفحوص بيئية، وتعاون دولي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والجهات الصحية المختصة.

ثامناً: ماذا يحدث في الساعات والأيام التالية؟

في السيناريو التقليدي، قد تعلن واشنطن نجاح العملية بينما تصر طهران على صمود منشآتها. وقد يستمر الجدل أسابيع أو أشهراً بسبب صعوبة التحقق من الأضرار الداخلية.

أما في السيناريو النووي، فمن المحتمل أن تتجاوز التداعيات العسكرية موقع جبل الفأس فوراً.

قد يواجه مجلس الأمن أزمة دولية طارئة، وتدخل القوى النووية الكبرى في مشاورات أمنية استثنائية، وترتفع المخاوف بشأن الملاحة وإمدادات الطاقة في الخليج ومضيق هرمز.

كذلك يمكن أن تؤدي الضربة إلى رد إيراني عسكري، مباشر أو غير مباشر، وإلى موجات نزوح ومخاوف بيئية داخل إيران وخارجها.

ولا يعني ذلك أن هذه النتائج ستقع جميعها، بل إنها مسارات تصعيد معقولة ضمن سيناريو افتراضي يتخطى فيه الصراع عتبة الاستخدام النووي.

الخاتمة: هل تستطيع أميركا تدمير الجبل، أم أنها ستدمر قواعد الحرب نفسها؟

تملك الولايات المتحدة قدرة تدميرية هائلة، لكنها لا تملك ضمانة تقنية بأن كل منشأة محفورة عميقاً في الغرانيت يمكن محوها بالقصف.

وقد يؤدي الهجوم التقليدي إلى تعطيل جبل الفأس من دون إنهاء قدراته بصورة دائمة، فيما قد يجعل استخدام سلاح نووي التكاليف الإنسانية والبيئية والاستراتيجية أكبر بكثير من الهدف العسكري الأصلي.

المفارقة أن القنبلة التي تمتلك قدرة تدميرية أكبر ليست بالضرورة الأداة التي تحقق نتيجة استراتيجية أفضل.

فالقوة العسكرية تستطيع تدمير المباني والأنفاق والمعدات، لكنها لا تمحو المعرفة العلمية، ولا تمنع بالضرورة إعادة بناء البرنامج في موقع آخر.

وإذا كان الهدف النهائي منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن نجاحه لا يقاس بحجم الحفرة التي تُحدثها القنبلة، بل بمدى القدرة على منع الانتشار النووي بصورة مستدامة وقابلة للتحقق.

السؤال الذي يجب أن يُطرح في واشنطن ليس فقط: هل نستطيع تدمير جبل الفأس؟ بل: ماذا لو كان ثمن محاولة تدميره فتح باب الحرب النووية في الشرق الأوسط؟

بيتر جرمانوس

نُشر أيضًا على WordPress. Read in English