إعادة الحياة إلى البحر اللبناني: مشروع وطني لإنقاذ الثروة السمكية وبناء اقتصاد بحري جديد
نُشر في الأصل على: المدوّنة.

يمتلك لبنان نحو 225 كيلومتراً من الشواطئ المطلة على البحر المتوسط، ومع ذلك لم يعرف كيف يستثمر واحدة من أثمن ثرواته الطبيعية، أي الثروة السمكية. عقود من الصيد الجائر، واستعمال الديناميت في مراحل سابقة، وتدمير الموائل البحرية، وتصريف المياه المبتذلة والنفايات الصناعية، كلها أوصلت البيئة البحرية إلى حال من التدهور واستنزفت مخزونها السمكي حتى بات الصياد يعود في أيام كثيرة بشباك شبه فارغة.
لكن هذه الخسارة ليست قدراً نهائياً. فالعلم الحديث يملك وسائل عملية لإعادة تأهيل الأنظمة البيئية البحرية ورفع قدرتها على إنتاج الأسماك، شرط أن تتبنى الدولة سياسة وطنية تجمع بين الهندسة البحرية والحماية البيئية والإدارة المستدامة للصيد. وما ينقصنا ليس المعرفة بل القرار.
في هذا المجال تقدم دبي نموذجاً يستحق النظر. فقد أطلقت سنة 2024 مشروع «Dubai Reef» القائم على نشر 20 ألف وحدة اصطناعية مصممة لدعم الحياة البحرية، ضمن منطقة دراسة تمتد على 600 كيلومتر مربع، على أن يكتمل نشرها بحلول سنة 2027. وفي تموز 2025 أظهرت القياسات الأولية في الموقع التجريبي أن الكتلة الحيوية للأسماك ارتفعت إلى ثمانية أضعاف، مع مؤشرات إلى زيادة التنوع البيولوجي بنحو 10%. النتائج مشجعة، لكنها تبقى محلية ولا تثبت وحدها أن المخزون السمكي ازداد في البحر كله. ولبنان نفسه ليس غريباً عن هذه التقنية، إذ نفذت جامعة البلمند سنة 2020 مشروعاً للشعاب الاصطناعية قبالة البربارة ضم 47 منشأة بحرية على عمق يقارب 25 متراً. التجربة موجودة إذن، وما ينقصها أن تتحول من مبادرة معزولة إلى سياسة دولة.
المطلوب مشروع وطني يمتد من العريضة شمالاً إلى الناقورة جنوباً، يبني شبكة من الموائل البحرية الاصطناعية بعد دراسة دقيقة لطبيعة القاع والتيارات والعمق والتنوع البيولوجي. وتبدأ المرحلة التجريبية في ثلاثة قطاعات ساحلية في الشمال والوسط والجنوب، بوحدات خرسانية آمنة بيئياً صممت وفق حاجات الأسماك المحلية، ولا سيما الأنواع التي تعيش على القاع الصخري. ولا يجوز أن توضع هذه المنشآت فوق المروج البحرية الطبيعية أو الموائل السليمة، فالغاية ترميم ما تدهور لا استبدال الطبيعة بالخرسانة. ثم إن الشعاب الاصطناعية قد تكتفي بجذب الأسماك الموجودة أصلاً من دون أن تزيد إنتاجها، ولذلك لا يقاس نجاحها بعدد الأسماك المتجمعة حولها بل بتحسن بقاء الصغار منها ونموها وتكاثرها.
ولا معنى لهذه الشبكة ما لم ترافقها محميات بحرية يمنع فيها الصيد كلياً، وتحمى فيها الأسماك خلال مراحل النمو والتكاثر، فيما ينظم الصيد في المناطق المحيطة بها. وينبغي أن تحدد مواسم المنع على أساس الدراسات العلمية لدورات تكاثر الأنواع المحلية، وأن تفرض أحجام دنيا للأسماك المسموح بصيدها، وأن يحظر الديناميت وكل الوسائل المدمرة والشباك المخالفة. والصيادون هنا شركاء لا خصوم، ولا بد من إشراك نقاباتهم في إدارة المحميات، لأن نجاح المشروع مرهون بحماية أرزاقهم لا بإقصائهم.
غير أن كل ذلك يسقط إذا بقيت المجارير تتدفق إلى البحر. فالأولوية لتشغيل محطات معالجة الصرف الصحي، ومراقبة المصبات الصناعية، ومنع رمي النفايات في الأنهار وعلى الشواطئ، ونشر نتائج فحوص المياه بانتظام أمام الناس. ويجب كذلك حماية الموائل الصخرية والمروج البحرية التي تحتضن صغار الأسماك وتحفظ التوازن البيئي.
أما الإطار التنفيذي فبرنامج وطني لسبع سنوات بإشراف مشترك من وزارات الزراعة والبيئة والأشغال العامة، وبمشاركة المركز الوطني لعلوم البحار والجامعات ونقابات الصيادين. تخصص السنة الأولى لمسح القاع البحري وتقييم المخزون السمكي ومصادر التلوث، وتنفذ في السنتين الثانية والثالثة المشاريع التجريبية وتنشأ المحميات، ثم تأتي أربع سنوات من التوسع التدريجي وفق ما تظهره النتائج. ويمول البرنامج من الموازنة العامة والشراكات مع القطاع الخاص والمنح البيئية الدولية وصندوق وطني للاقتصاد الأزرق، ضمن مناقصات شفافة ورقابة علمية مستقلة. ويقاس النجاح سنوياً بأعداد الأسماك والكتلة الحيوية ونسب بقاء الأسماك الصغيرة والتنوع البيولوجي وجودة المياه ومردود الصيادين، ولا يعتمد أي توسع قبل مقارنة النتائج بمواقع طبيعية مماثلة.
والتعافي البيئي وحده لا يكفي إن لم يتحول إلى قطاع منتج. لذلك يجب أن يترافق مع تحديث مرافئ الصيد، وإنشاء وحدات للتبريد والحفظ والتصنيع، وتطوير الاستزراع السمكي البحري وفق ضوابط بيئية وصحية صارمة. فالمقصود ليس زيادة الأسماك فحسب، بل بناء سلسلة إنتاج محلية توفر الغذاء والعمل والدخل، وتخفف اعتمادنا على الاستيراد، وتعيد الحياة إلى المجتمعات الساحلية.
لبنان لا يحتاج إلى اكتشاف مورد جديد، بل إلى إعادة تأهيل مورد يملكه منذ آلاف السنين. الشعاب الاصطناعية وحماية مناطق التكاثر وتنظيف المياه وتنظيم الصيد قادرة معاً على وضع الثروة السمكية على طريق التعافي، من دون وعود غير علمية بنتائج مضمونة. فالبحر اللبناني ليس منظراً سياحياً نتأمله من الكورنيش، بل ثروة غذائية واقتصادية وطنية. وإذا استثمرنا في إعادة الحياة إلى قاعه، فقد نحول ساحلنا من مساحة تتلقى التلوث إلى مصدر دائم للإنتاج والثروة والعمل.