لبنان: البلد الذي يعجز صندوق النقد الدولي عن توقّع مستقبله
لماذا ترك صندوق النقد الدولي خانات توقّعات النموّ اللبنانية فارغةً حتى عام 2031
قرأتُ على مرّ السنين كثيرًا من جداول صندوق النقد الدولي، لكنّ الجدول الأخير استوقفني. ففي تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في تشرين الأول 2026، يقدّم الصندوق توقّعات للنموّ حتى عام 2031 لكلّ اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقريبًا. أمّا لبنان فلم يُعطَ سوى رقم واحد: نموّ حقيقي يُقدَّر بـ4 في المئة لعام 2025، ثم لا شيء. خانات 2026 و2027 و2031 فارغة.
والمقارنة مع جيراننا تفرض نفسها. فمصر يُتوقَّع لها نموّ بنسبة 5.1 في المئة عام 2026 و4.8 في المئة عام 2031. والأردن والمغرب وتونس لكلٍّ منها أرقامه. حتى السودان، الغارق في حربه مع نفسه، أُعطي توقّعًا بنموّ 7 في المئة لعام 2026، ويُنتظر أن يعود اليمن إلى نموّ إيجابي بنسبة 2.5 في المئة بحلول 2031. ولا يشارك لبنانَ خانتَه الفارغة إلّا حالات قليلة، من بينها الضفة الغربية وغزة وأفغانستان وسوريا. وهذه ليست صحبةً يطمئنّ إليها أيّ لبناني. لذلك لا بدّ من طرح السؤال: كيف صرنا عصيّين على التوقّع إلى حدّ أنّ الصندوق لم يعد يجازف حتى بتخمين؟

1. حين تتعطّل النماذج
يقول الصندوق نفسه إنّ هذا الإغفال يعكس درجةً غير اعتيادية من عدم اليقين. وهذا لا يعني أنّ لبنان بلا مستقبل، بل يعني أنّ الافتراضات التي يقوم عليها أيّ توقّع لا يمكن تحديدها بثقة. فالاقتصادي الذي يستشرف النموّ يحتاج إلى تصوّر معقول للسياسة النقدية والمالية العامة ومناخ الاستثمار والاستقرار السياسي. وفي لبنان، الأربعة كلّها موضع شكّ في آنٍ واحد. فمنذ 2019 عشنا انهيار القطاع المصرفي، وتخلّف الدولة عن سداد ديونها، وعملةً فقدت معظم قيمتها، وشللًا مؤسساتيًا، وصدمةً أمنية تلو أخرى. ولا يوجد نموذج صُمّم لكلّ ذلك.
2. المصارف والمودعون
بعد سبع سنوات، لا تزال مليارات الدولارات من الودائع بعيدةً عن متناول أصحابها. ومن يتحمّل الخسائر — الدولة، أم مصرف لبنان، أم المصارف التجارية، أم مساهموها، أم المودعون — يبقى السؤال الأكثر خلافًا في البلد. وبصفتي محاميًا، أقول إنّه سؤال عدالة أيضًا، لا مجرّد مسألة محاسبية.
وما لم تُعَد هيكلة المصارف كما يجب، فلن تستطيع جمع المدّخرات ولا إقراض المؤسسات ولا تمويل الاستثمار. وقد كرّر الصندوق النقاط نفسها منذ سنوات: إعادة هيكلة المصارف، وتوزيع الخسائر بشفافية، وحماية الحقوق المشروعة للمودعين، واستعادة الاستدامة المالية. فالاقتصاد الذي يفتقد وساطةً مالية فاعلة لا يتعافى وفق جدول زمني يستطيع أحد أن يتنبّأ به.
3. الحرب ودولة لم تكتمل بعد
ألحق تجدّد النزاع بين حزب الله وإسرائيل، في سياق مواجهة إقليمية أوسع، أضرارًا بالبنية التحتية، وهجّر عائلات، وعطّل التجارة، وأبعد المستثمرين. غير أنّ المشكلة الأعمق هي أنّ الشروط الأساسية نفسها لا تزال معلّقة. هل تنتهي الأعمال العدائية؟ هل تبدأ إعادة الإعمار، ومن سيموّلها؟ هل يعود الاستثمار؟ ثم السؤال الذي أعدّه حاسمًا: هل ستبسط الدولة اللبنانية سلطتها الفعلية على كامل أراضيها؟ لقد شغلتُ منصب مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، وأعرف كم يتوقّف على هذه النقطة الأخيرة. ولا يمكن لأيّ توقّع أن يحتسب جوابًا لم تقدّمه الدولة نفسها بعد.
4. غياب خطة طويلة الأمد ذات مصداقية
يفترض أيّ توقّع على المدى المتوسط وجود استراتيجية مالية واقتصادية متماسكة. ولبنان لا يزال يتحاور مع صندوق النقد، لكنه لم ينفّذ إطارًا إصلاحيًا متكاملًا يعيد للدين قابليته للاستدامة، ويستعيد الثقة بالمصارف، ويمنح المستثمرين قواعد واضحة يمكن التعويل عليها. وقد رحّبت بعثة خبراء الصندوق في أيلول 2026 بالتقدّم المحرز في التشريعات المصرفية والتخطيط المالي، مع التشديد على أنّ المطلوب أكثر في ما يخصّ استعادة الودائع وموازنة ذات مصداقية ومالية عامة مستدامة. ومن دون إطار كهذا، يصبح أيّ رقم لعام 2031 مجرّد تكهّن يرتدي ثوب الاقتصاد.
5. كيف نقرأ الخانات الفارغة قراءةً صحيحة
لا ينبغي أن تُقرأ الخانات الفارغة على أنّها توقّع بنموّ صفري أو بانهيار. فلبنان لا يزال يملك أصولًا حقيقية: انتشارًا واسعًا ووفيًّا، وشعبًا مبادرًا، وقطاع خدمات قويًا، وسياحة، وقطاعًا خاصًا أثبت صلابة لافتة. لكنّ الإمكانات ليست توقّعًا. وما تقوله لنا هذه الخانات الفارغة هو أنّ أداءنا على المدى المتوسط مرهون بقرارات سياسية ومالية وأمنية لم تُتَّخذ بعد.
والمأساة الحقيقية، في رأيي، ليست أنّ صندوق النقد عاجز عن توقّع مستقبل لبنان، بل أنّ لبنان لم يوفّر بعدُ الشروط التي تجعل هذا المستقبل قابلًا للتوقّع. وما لم نستعِد المساءلة المالية، والمؤسسات الموثوقة، والأمن، وسيادة القانون، فلن نبقى مجرّد اقتصاد في أزمة، بل سنكون اقتصادًا لا يمكن حتى قياس وجهته. وربما كان هذا أكثر المؤشّرات إثارةً للقلق على الإطلاق.
المصادر: صندوق النقد الدولي، تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، تشرين الأول 2026، الذي يشير إلى إغفال توقّعات لبنان للفترة 2026–2031 بسبب درجة عالية على نحو غير اعتيادي من عدم اليقين؛ الملحق الإحصائي لتقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، تشرين الأول 2026، الذي يُظهر أنّ عام 2021 هو آخر سنة تتوافر فيها بيانات فعلية سنوية عن مالية الحكومة اللبنانية؛ البيان الختامي لبعثة خبراء صندوق النقد الدولي إلى لبنان، 18 أيلول 2026، الذي يوثّق التحدّيات الأمنية والمصرفية والمالية القائمة.