→ كتابات

لبنان 2026: اقتصاد بلا كهرباء، زراعة بلا أسواق، ومستقبل يعجز صندوق النقد عن توقّعه

لبنان 2026: اقتصاد بلا كهرباء وزراعة بلا أسواق

قبل أيام اتصلت بي صديقة تعمل في قطر منذ سنوات. قالت إنها حزمت أمرها وستعود إلى لبنان لتستقرّ نهائياً. تمكّنت من الادّخار، وهذا أمر تُحسد عليه، لكنها تعرف أن الدخل الذي كانت تتقاضاه هناك لن يكون له وجود هنا. ستعيش من مدّخراتها إلى أن تجد عملاً، ولا أحد يستطيع أن يقول لها متى. قصتها ليست استثناء، بل صورة مصغّرة عن بلد بأكمله.

في الوقت الذي تحاول فيه دول العالم حماية اقتصاداتها من تداعيات حرب الخليج، يقف لبنان أمام مشهد اقتصادي يكاد يكون فريداً في فشله: دولة بلا قطاع كهربائي فعّال، ومصارف عاجزة عن تمويل الاقتصاد، ومزارعون لا يجدون أسواقاً لتصريف إنتاجهم، وقطاع عقاري يفقد حيويته، فيما يعجز صندوق النقد الدولي عن وضع توقّعات موثوقة لمستقبل البلاد حتى سنة 2031. إنها ليست أزمة اقتصادية عابرة، بل أزمة نموذج اقتصادي فقد مقوّمات استمراره.

توقّع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال سنة 2026، بعد نموّ بلغ 4.2% في السنة السابقة. أي أن ما بدأنا نستعيده تبخّر في أشهر. فحرب الخليج لم تبقَ بعيدة عنّا: ارتفعت أسعار النفط والشحن والتأمين، فارتفعت معها كلفة كل ما نستورده وكل ما نحاول تصديره.

والضربة الأقسى جاءت من حيث كنّا نتّكئ دائماً. تحويلات اللبنانيين العاملين في دول الخليج تراجعت تراجعاً حادّاً جداً، وهي التي أبقت آلاف العائلات واقفة على قدميها طوال سنوات الانهيار. أما الانتشار اللبناني في أوروبا والولايات المتحدة، فقد صارت روابطه بالبلد رقيقة منذ الانهيار الأمني. أبناؤنا هناك لم يعودوا يرون لبنان وطناً ينتظر استثمارهم أو زيارتهم الصيفية، بل يرونه من زاوية أمنية فقط: نشرة أخبار، وتحذير سفر، واتصال قلِق بالأهل. وحين يُختصر الوطن في ملف أمني، يتوقّف المال عن العبور إليه.

الكارثة الثانية هي القطاع الزراعي. محصول التفاح وحده يبلغ نحو 200 ألف طن، وحين لا يجد طريقه إلى الأسواق، لا يخسر المزارع وحده. يخسر معه سائق الشاحنة، ومصنّع الصناديق، وتاجر الأسمدة، والعامل الزراعي، وصاحب مستودع التبريد. سلسلة كاملة من الأرزاق تنقطع حلقة بعد حلقة، وتبقى الثمار في البرّادات أو تحت الأشجار.

الكارثة الثالثة هي انهيار الكهرباء. لا يمكن بناء اقتصاد حديث على مولدات الديزل. كل بيت لبناني يعرف هذه الحقيقة آخر كل شهر، حين يدفع فاتورتين للكهرباء: واحدة لصاحب المولّد، وأخرى لمؤسسة كهرباء لبنان التي لا تأتي إلا ساعات قليلة. فاتورتان مقابل خدمة واحدة ناقصة، تأكلان من راتب الموظف ومن هامش ربح المصنع ومن قدرة المتجر الصغير على الصمود. المصنع الذي يدفع هذه الكلفة لا يستطيع أن ينافس أحداً، لا في الداخل ولا في الخارج.

من هنا يكتسب المشروع القطري الجديد لبناء محطات تعمل بالغاز وتطوير الطاقات المتجددة أهمية حقيقية. لكن اللبنانيين سمعوا وعوداً كثيرة من قبل. المطلوب هذه المرة عقود واضحة، وتمويل قابل للتحقق، ومهل تنفيذ ملزمة، وإصلاح فعلي لشبكة التوزيع والجباية. من دون ذلك سنبني محطات جديدة لتغذية شبكة مثقوبة.

ثم نصل إلى المؤشر الأكثر دلالة. صندوق النقد الدولي امتنع في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في نيسان 2026 عن نشر تقديرات لبنان للسنوات من 2026 إلى 2031، مبرّراً ذلك بدرجة استثنائية من عدم اليقين. حين تعجز أهم مؤسسة مالية في العالم عن رسم خطّ لمستقبل بلد، فهذا يعني أن البلد نفسه لم يحسم بعد أسئلته الأساسية: كيف تُعالج الفجوة المالية، وكيف تُوزّع خسائر المصارف، ومتى وكيف تُستردّ الودائع، وكيف يُعاد هيكلة الدين العام. لا أحد يستطيع أن يتوقّع مستقبلاً لم يقرّر أصحابه شكله.

لذلك أرى أن الطريق يمرّ بثلاث أولويات لا تحتمل التأجيل: كهرباء موثوقة بأسعار تنافسية، واقتصاد إنتاجي قادر على التصدير، ونظام مصرفي يعيد تمويل المؤسسات ويحمي حقوق المودعين. هذه ليست شعارات، بل الشروط الدنيا لكي تجد صديقتي العائدة من قطر عملاً، ولكي يعود المغترب ليرى في لبنان فرصة لا خطراً، ولكي يبيع المزارع تفاحه.

فالدولة التي تعجز عن بيع تفاحها، وعن إنارة مصانعها، وعن تحديد حجم خسائرها، لن تستطيع بناء اقتصاد. لبنان بلد غني بالإمكانات، فقير بالإدارة. لبنان لا يحتاج إلى معجزة اقتصادية. يحتاج إلى دولة تعرف كيف تدير اقتصاداً.

Originally published on WordPress.