→ كتابات

إسرائيل وانتخابات الكنيست: كيف يمكن لحزب أن يخسر الأكثرية ويفوز بالحكومة؟

مبنى الكنيست عند الغسق ومخطط مقاعد البرلمان

في السابع والعشرين من تشرين الأول 2026 يتوجّه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع، في أول انتخابات تشريعية منذ هجوم السابع من تشرين الأول 2023. وسيسارع كثيرون، صباح اليوم التالي، إلى السؤال المعتاد: من ربح؟ غير أن هذا السؤال، في إسرائيل تحديدًا، يكاد يكون بلا معنى. فالفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يفتح وحده أبواب الحكم، وقد يتصدّر حزب النتائج ثم يجد نفسه على مقاعد المعارضة، فيما يرأس الحكومة من حلّ ثانيًا أو ثالثًا.

السرّ في قواعد اللعبة نفسها. فإسرائيل كلّها دائرة انتخابية واحدة، والناخب لا يختار نائبًا عن مدينته أو منطقته، بل يقترع للائحة حزبية وطنية مغلقة، يدخل منها الكنيست مرشحوها بحسب ترتيبهم. وتُوزَّع المقاعد المئة والعشرون وفق التمثيل النسبي، فيأخذ كل حزب من البرلمان بقدر ما أخذ من الأصوات تقريبًا. لا دوائر فردية ولا أكثرية عددية تحسم المعركة في كل منطقة، بل صورة مصغّرة عن مجتمع منقسم إلى تيارات كثيرة.

لكن هذه الصورة ليست مرآة كاملة. فالقانون يفرض عتبة انتخابية تبلغ 3.25 في المئة من الأصوات، ومن لا يتجاوزها لا ينال مقعدًا واحدًا، مهما بلغ عدد ناخبيه. وأصوات اللوائح التي تسقط دون العتبة تُرمى خارج الحساب، فتستفيد منها عمليًا الأحزاب الناجحة. ثم تأتي طريقة بادر عوفر، القريبة من طريقة دونت، لتوزيع المقاعد المتبقية، مع اتفاقات فائض الأصوات التي تعقدها اللوائح سلفًا كي لا يضيع فتات أصواتها. وهنا تكمن المفارقة: حزب صغير يتعثّر عند العتبة قد يقلب ميزان الكتل كلها، لأن خروجه يعيد توزيع مقاعد لم يكن أحد يحسب حسابها.

ثم إن الإسرائيليين لا ينتخبون رئيس حكومتهم أصلًا. هم ينتخبون الكنيست، والكنيست هو من يمنح الثقة. فبعد إعلان النتائج يستشير رئيس الدولة الكتل النيابية، ثم يكلّف نائبًا بتشكيل الحكومة، ولا شيء في القانون يُلزمه باختيار زعيم الحزب الأكبر. للمكلّف ثمانية وعشرون يومًا، تُمدَّد أربعة عشر يومًا كحدّ أقصى، فإن أخفق جاز تكليف مرشح آخر، وإن أخفق الجميع عاد البلد إلى الانتخابات.

الرقم الذي يحكم هذا كلّه هو 61، أي الأغلبية المطلقة في كنيست من مئة وعشرين نائبًا. ولأن حزبًا واحدًا لا يبلغه عادة بمفرده، تصبح الحكومة الإسرائيلية بالضرورة ائتلافًا، ويصبح من يملك خمسة أو ستة مقاعد صانع ملوك. هكذا تتحوّل الأحزاب الصغيرة والدينية إلى بيضة القبّان، تفاوض على الحقائب والشروط بأكثر مما يسمح به حجمها. حزب بخمسة وثلاثين مقعدًا قد يعجز عن الحكم، وحزب بخمسة وعشرين قد يحكم إذا أحسن نسج التحالفات. بل إن القانون يتيح، في التصويت الأول على الثقة، قيام حكومة أقلية تنال أكثرية المقترعين لا أكثرية الكنيست، وإن ظلّت حكومة كهذه معلّقة على خيط رفيع.

من هنا ينبغي قراءة الاستطلاعات بحذر. فوفق الأرقام التي نشرتها صحيفة النهار في 26 تشرين الأول 2026، تنال المعارضة 54، وائتلاف نتنياهو 49.5، والأحزاب العربية 14.5. هذه تقديرات استطلاعية لا مقاعد، والكسور فيها تكفي دليلًا على ذلك. والجمع الحسابي يغري: المعارضة مع الأحزاب العربية تبلغ 68.5، أي أكثر من الأغلبية بكثير. لكن السياسة ليست جدول جمع. فأحزاب المعارضة الرئيسية تتردّد في التحالف مع الأحزاب العربية، وما لا يُترجم إلى ائتلاف لا يصنع حكومة. الأكثرية العددية شيء، والأكثرية السياسية المتفقة على برنامج واحد شيء آخر تمامًا.

وليس هذا ترفًا نظريًا. فبين نيسان 2019 وتشرين الثاني 2022 خاضت إسرائيل خمس انتخابات عامة، لأن الصناديق كانت تفرز برلمانًا ولا تفرز حكومة. والنظام الذي يمنح كل تيار صوته في البرلمان هو نفسه الذي يجعل الحكم رهينة تفاهمات هشّة بين أحزاب تختلف على الأمن والدين والاقتصاد.

ويزيد من تعقيد المشهد أن إسقاط الحكومة ليس أسهل من تشكيلها. فالحجب البنّاء للثقة يشترط أن يتفق 61 نائبًا على حكومة بديلة محددة، لا أن يكتفوا بمعارضة الحكومة القائمة. أي أن من يريد الإطاحة برئيس الحكومة عليه أن يملك بديلًا جاهزًا، لا مجرد غضب مشترك.

وهذا ما يغيب غالبًا عن القراءات المتعجّلة للمشهد الإسرائيلي. فالعناوين تتحدث عن فوز وخسارة، كأننا أمام سباق رئاسي يحسمه صوت واحد، بينما الحقيقة أن ليلة الاقتراع ليست سوى بداية المعركة، وأن الأسابيع التي تليها، في المشاورات والمساومات خلف الأبواب المغلقة، هي التي تكتب اسم رئيس الحكومة المقبل.

لذلك، حين تُفرز الأصوات مساء السابع والعشرين من تشرين الأول، لن يكون السؤال الحقيقي من حصد العدد الأكبر، بل من يستطيع أن يحوّل مقاعده، ومقاعد غيره، إلى 61 يدًا ترتفع معًا في قاعة الكنيست. ففي إسرائيل، تحدّد الانتخابات موازين القوى، أما التحالفات فتحدّد من يحكم.