→ كتابات

انتخابات إسرائيل: نتنياهو لم ينتصر، وأيزنكوت لم يهزمه... والعرب قد يقررون مستقبل الحكومة

صورة غلاف مقال انتخابات إسرائيل 2026
الصورة: Gary Todd، CC0، عبر Wikimedia Commons

أدخلت انتخابات 27 تشرين الأول 2026 إسرائيل في مأزق سياسي جديد. فنتنياهو لم يتمكن، وفق النتائج الأولية، من ضمان أكثرية برلمانية تسمح له بمواصلة الحكم، فيما عجز منافسه غادي أيزنكوت عن تحقيق انتصار حاسم يتيح له تشكيل حكومة بديلة.

فبحسب الفرز الجزئي الذي نشرته لجنة الانتخابات المركزية صباح 28 تشرين الأول، بعد احتساب أكثر من أربعة ملايين صوت صحيح، أي نحو 70 في المئة من المقترعين وقبل فرز "المغلفات المزدوجة" الخاصة بالجنود والدبلوماسيين والمستشفيات والسجون، حصل معسكر نتنياهو على 54 مقعداً، موزعة على الليكود 27، ويهدوت هتوراه 7، وشاس 7، وعوتسما يهوديت 7، والصهيونية الدينية 6. وحصلت المعارضة اليهودية على 47 مقعداً: "ياشار" بقيادة أيزنكوت 21، و"معاً" بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 11، و"الديمقراطيون" بقيادة يائير غولان 8، و"إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان 7. أما القوائم العربية فنالت 19 مقعداً: القائمة المشتركة 13 والقائمة العربية الموحدة 6. وتبقى هذه الأرقام أولية، وقد يتبدل توزيعها بمقعد أو أكثر عند استكمال الفرز.

أولاً، نتنياهو لا يزال قوياً

رغم تداعيات هجوم 7 تشرين الأول 2023، والحروب المتلاحقة، والانقسامات الداخلية، احتفظ نتنياهو بقاعدة انتخابية واسعة. فالليكود بقي الحزب الأول بنحو 829 ألف صوت، أي 20.7 في المئة من الأصوات المفروزة. لكن الاحتفاظ بالشعبية لا يكفي في النظام الإسرائيلي، إذ يحتاج تشكيل الحكومة إلى ثقة 61 نائباً من أصل 120، ومعسكره ينقصه حتى الآن سبعة مقاعد.

ثانياً، أيزنكوت ليس نقيض نتنياهو استراتيجياً

فهو رئيس سابق لأركان الجيش الإسرائيلي، وينتمي إلى المؤسسة الأمنية نفسها. وقد حلّت قائمته في المرتبة الثانية بنحو 640 ألف صوت، أي قرابة 16 في المئة. قد يكون أكثر اعتدالاً في الخطاب، وأقرب إلى واشنطن وأوروبا، وأكثر استعداداً للتفاهمات الدبلوماسية، لكنه لا يختلف جذرياً مع نتنياهو حول الأهداف الأمنية المتعلقة بإيران وحزب الله وغزة. فالاختلاف الأساسي يكمن في وسائل إدارة الصراع، وليس بالضرورة في أهدافه.

ثالثاً، الأحزاب العربية قد تتحول إلى بيضة القبان

بلغت نسبة الاقتراع العامة 77.7 في المئة، أي نحو 5.7 ملايين مقترع من أصل نحو 7.33 ملايين ناخب، وهي الأعلى منذ 1999، بزيادة 7.1 نقاط عن انتخابات 2022. والأبرز أن المشاركة العربية قاربت 80 في المئة وفق تقديرات القناة 12، متجاوزة المعدل الوطني للمرة الأولى، فيما سجلت سخنين نحو 87 في المئة وكفر قاسم نحو 85 في المئة. وقد رفع ذلك حصة القوائم العربية إلى 19 مقعداً في الفرز الجزئي.

والحساب هنا بسيط: 47 مقعداً للمعارضة اليهودية و19 للقوائم العربية تساوي 66 مقعداً، أي أكثر من الأغلبية المطلوبة. لكن المفارقة أن بعض الأحزاب اليهودية المناهضة لنتنياهو ترفض الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة. وهكذا قد تتوافر أكثرية حسابية لإسقاط نتنياهو من دون قيام أكثرية سياسية قادرة على الحكم.

رابعاً، الأزمة أعمق من الانتخابات: قراءة قانونية ودستورية

لا تملك إسرائيل دستوراً مكتوباً في وثيقة واحدة، بل مجموعة "قوانين أساس" تقوم مقامه. ويحدد القانون الأساس: الكنيست أن البرلمان يتألف من 120 عضواً، يُنتخبون في انتخابات عامة وقطرية ومباشرة ومتساوية وسرية ونسبية. فالبلاد كلها دائرة انتخابية واحدة، والناخب يقترع لقائمة حزبية مغلقة لا لمرشح بعينه، فيدخل المرشحون الكنيست بحسب ترتيبهم على القائمة.

ويضع قانون انتخابات الكنيست نسبة حسم قدرها 3.25 في المئة من الأصوات الصحيحة، معمولاً بها منذ 2014، أي نحو 130 ألف صوت في الفرز الجاري. ولهذه العتبة أثر مباشر: فقد بقيت قائمة "جنود الاحتياط" بقيادة يوعز هندل دون العتبة بنحو 2.6 في المئة، وقائمة "شعب إسرائيل" بقيادة عوفر فينتر بنحو 1.7 في المئة، فضاعت أصوات كان يمكن أن تصب في رصيد اليمين. وتوزع المقاعد وفق طريقة بادر عوفر، وهي صيغة من طريقة دهونت تميل قليلاً إلى القوائم الكبيرة، ويُسمح للقوائم بعقد اتفاقات "فائض أصوات" بحيث تُحتسب بقايا أصواتها معاً عند توزيع المقاعد الأخيرة. وتشرف على العملية لجنة الانتخابات المركزية التي يرأسها قاض من المحكمة العليا. وتجيز المادة 7أ من القانون الأساس منع قائمة أو مرشح من الترشح إذا تضمنت أهدافه أو أفعاله نفي وجود إسرائيل دولةً يهودية وديمقراطية، أو التحريض على العنصرية، أو دعم الكفاح المسلح لدولة معادية أو لمنظمة إرهابية ضد إسرائيل، وتخضع قرارات المنع لرقابة المحكمة العليا.

أما تشكيل الحكومة فينظمه القانون الأساس: الحكومة. فرئيس الدولة يتشاور مع ممثلي الكتل، ثم يكلف النائب الأوفر حظاً في تشكيل الحكومة، ويمنحه 28 يوماً قابلة للتمديد 14 يوماً إضافية. فإن فشل، جاز للرئيس تكليف نائب آخر لمدة 28 يوماً. وإن فشل الثاني، يحق لأغلبية أعضاء الكنيست، أي 61 نائباً، أن يطلبوا خطياً خلال 21 يوماً تكليف نائب بعينه. وإذا تعذر ذلك كله، يُعتبر الكنيست منحلاً وتُجرى انتخابات جديدة. ولا تتولى الحكومة مهامها إلا بعد نيلها ثقة الكنيست، ولا يمكن إسقاطها إلا بحجب ثقة "بنّاء"، أي بتصويت 61 نائباً على حكومة بديلة ورئيس حكومة محدد. وإلى حين تشكيل حكومة جديدة، تستمر الحكومة القائمة في تصريف الأعمال، ما يعني أن نتنياهو يبقى رئيساً للحكومة طوال مرحلة المفاوضات.

هذا النظام النسبي، بعتبته المنخفضة نسبياً ودائرته الواحدة، يمنح الأحزاب الدينية والقومية الصغيرة قدرة كبيرة على تعطيل تشكيل الحكومات. وقد تستمر المفاوضات أسابيع، وربما تنتهي بحكومة هشة أو بانتخابات جديدة.

أما بالنسبة إلى لبنان

فمن الخطأ الاعتقاد بأن رحيل نتنياهو سيؤدي تلقائياً إلى تبدل السياسة الإسرائيلية. فأمن الحدود الشمالية، وسلاح حزب الله، ومواجهة النفوذ الإيراني، ملفات تحظى بتوافق واسع داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وإن اختلف السياسيون حول الوسائل والتوقيت.

قد يتغير رئيس الحكومة، وقد تصبح اللغة الدبلوماسية أقل حدة، لكن العقيدة الأمنية الإسرائيلية لن تتبدل بمجرد تبدل الأغلبية البرلمانية.

الخلاصة

إسرائيل اليوم منقسمة سياسياً، لكنها أكثر تماسكاً في توجهاتها الأمنية مما توحي به خلافاتها الحزبية. والدرس الأهم للبنان والعالم العربي أن الانتخابات قد تغيّر الحكومات، لكنها لا تغيّر بالضرورة سياسات الدول واستراتيجياتها.

الأرقام أولية وفق الفرز الجزئي للجنة الانتخابات المركزية حتى صباح 28 تشرين الأول 2026.

نُشر أصلاً على WordPress. Read in English.