→ كتابات

دعاية صراع الحضارات: كبش الفداء المريح لأوروبا

دعاية صراع الحضارات: كبش الفداء المريح لأوروبا

تعمل آلة دعائية ضخمة بلا كلل على بناء رواية صراع الحضارات، أو بدقة أكبر، صراع الأديان.

في هذه الرواية، كل ما يقلق أوروبا اليوم له سبب واحد بسيط. تراجع الولادات، وركود الاقتصاد، وضعف القدرة التنافسية، وتضخّم البيروقراطية، ودول تتدخل أكثر فأكثر في حياة مواطنيها، كلها تُختصر بكلمة واحدة: الهجرة. وحين تقول هذه الرواية "المهاجرين"، فهي تقصد في الغالب المسلمين القادمين من أفريقيا وآسيا.

إنه تفسير مريح، لكنه تفسير مضلّل أيضاً.

التاريخ يطلب منا شيئاً من التبصّر. لم تكن أوروبا يوماً تلك الجنة الهادئة التي يرسمها الحنين المعاصر. لقد كانت مهد الإمبراطوريات الاستعمارية، ومسرح حروب قارية أنهكت أجيالاً بكاملها. ومنها وُلدت أكثر إيديولوجيتين شمولياتين تدميراً في القرن العشرين، النازية والشيوعية السوفياتية. وقبلهما بكثير، فتحت الثورة الفرنسية معارك إيديولوجية عميقة حول الدولة والمجتمع ومصدر السلطة السياسية نفسه. لم تكن أيّ من هذه المآسي مستوردة. لقد صُنعت في أوروبا، وعلى أيدي الأوروبيين.

اليوم، يضخّم المعلّقون أعمال الشغب في باريس، والتوترات في بروكسل، والجدل حول الهجرة في ألمانيا. وفي الوقت نفسه، تتكشّف كارثة أوروبية أكبر بكثير في أوكرانيا.

الروس والأوكرانيون، أمّتان متمايزتان تجمعهما جذور سلافية عميقة وتاريخ مشترك طويل والإيمان المسيحي الأرثوذكسي نفسه، يدمّر أحدهما الآخر. مئات الآلاف بين قتيل وجريح. كان المجتمعان يعانيان أصلاً من تراجع ديموغرافي خطير، وها هما اليوم يدفنان الجيل الذي كان يُفترض أن يحمل مستقبلهما. هذا ليس صراعاً بين حضارات، بل جرح في قلب الحضارة الأوروبية نفسها.

فهل يمكن، بكل صدق، وضع اضطرابات في بعض أحياء المدن الأوروبية الغربية على المستوى التاريخي نفسه؟

لا أنكر أن أوروبا تواجه تحديات حقيقية. الهجرة والاندماج والأمن والهوية قضايا جدية، وتستحق أجوبة جدية، حازمة حيث يجب الحزم. لكنها لا يمكن أن تُستعمل لإخفاء عقود من الفشل البنيوي. الضعف الاقتصادي الأوروبي لا يأتي من المساجد، بل من الضرائب الثقيلة، وجمود أسواق العمل، وتراكم القوانين والأنظمة بلا نهاية، وطبقة سياسية اعتادت إدارة التراجع بدل أن تعكسه. والأزمة الديموغرافية لا يصنعها الوافدون الجدد، بل عائلات لم تعد تشعر أنها قادرة على إنجاب الأطفال، أو أن أحداً يشجعها على ذلك.

لوم الغريب أسهل من إصلاح الدولة. فهو يعفي السياسيين من العمل الشاق: تقليص البيروقراطية، وتحرير الاقتصاد، واستعادة ثقة مواطنيهم. ويحوّل نقاشاً حول الكفاءة إلى حرب هويات، وحروب الهويات لم تنتهِ يوماً بخير في هذه القارة.

ربما لا يكون الخطر الأكبر على أوروبا حضارة آتية من الخارج، بل حضارة تفقد شيئاً فشيئاً قدرتها على فهم تراجعها.

والتاريخ يعلّمنا درساً بسيطاً: كثيراً ما تبدأ الحضارات بلوم الغرباء في اللحظة نفسها التي تصبح فيها عاجزة عن النظر إلى ذاتها.