بوريس جونسون: حين يتسلّم مهرّج قيادة بقايا إمبراطورية

في السياسة، كما في المسرح، ثمة فرق جوهري بين من يكتب الدور ومن يؤدّيه. ورجل الدولة الحقيقي يقرأ موازين القوى قبل أن يعتلي المنبر، أما المهرّج فيعتلي المنبر أولاً ثم يبحث عن نصّ يبرّر به وقفته. وبوريس جونسون، بكل ما حمله من ضجيج وحضور إعلامي، كان نموذجاً صارخاً للصنف الثاني: سياسي أتقن صناعة الشعار، وأخفق في صناعة السياسة.
باع جونسون البريطانيين وهماً كبيراً اسمه استعادة العظمة. قدّم لهم الخروج من الاتحاد الأوروبي كأنه طريق العودة إلى زمن كانت فيه الشمس لا تغيب عن الإمبراطورية، وكأن بروكسل وحدها هي ما يحول بين بريطانيا وأمجادها الغابرة. لكن العالم تغيّر، والإمبراطورية صارت ذكرى، والدول المتوسطة الحجم لا تستعيد وزنها بالخطب الحماسية بل بالتحالفات الذكية والاقتصاد المتين. فكانت النتيجة أن البريطانيين خرجوا من الاتحاد ليدخلوا في فوضى البريكست، بما رافقها من ارتباك تجاري وتعقيدات حدودية وانقسام داخلي ما زالت آثاره ماثلة.
وكانت الهجرة الورقة الأقوى في حملة الخروج. أُغلقت أبواب حرية التنقّل أمام البولندي والروماني وسائر مواطني أوروبا الشرقية، ووُعد الناخب بأن السيطرة على الحدود ستعود إلى لندن وأن الأعداد ستنخفض. ثم اكتشف الجميع أن الهجرة لم تتوقف، بل تغيّرت جنسيات الوافدين. فالاقتصاد البريطاني يحتاج إلى اليد العاملة، والحاجة لا تُلغى بقرار سياسي، بل تبحث عن مصادر أخرى. وهكذا تبيّن أن الوعد لم يكن سياسة، بل شعاراً انتخابياً اصطدم بالواقع عند أول اختبار.
ولم يكتفِ جونسون بذلك. فحين اندلعت الحرب في أوكرانيا، وجد فيها مسرحاً جديداً يليق بطموحاته الشخصية. ارتدى عباءة ونستون تشرشل، الرجل الذي طالما كتب عنه وتماهى معه، ونصّب نفسه صقراً من صقور هذه الحرب. راح يوزّع دروس البطولة والصمود من لندن، فيما كانت أوروبا القارية تدفع الأثمان الفعلية لأخطر حروبها منذ الحرب العالمية الثانية: أزمة طاقة، وضغوط تضخمية، وموجات لجوء، وقلق أمني يطال كل عاصمة.
إن الموقف من أي حرب يستحق نقاشاً جاداً بعيداً من المزايدة. لكن الفرق كبير بين من يصوغ موقفه وهو يتحمّل كلفته، ومن يرفع الصوت عالياً وهو بمنأى عن العواقب. فالبطولة الخطابية سهلة حين يكون الآخرون هم من يدفعون الفاتورة، والحماسة لا تكلّف شيئاً حين تكون الجغرافيا والبحر حاجزاً بينك وبين النار.
أما المقارنة مع تشرشل، فهي تكشف أكثر مما تُجمّل. تشرشل واجه هتلر دفاعاً عن بريطانيا، في لحظة كان فيها وجود البلاد ذاته على المحك، فحشد شعبه وبنى التحالفات وقاد أمته في أحلك ساعاتها. أما جونسون فواجه بروكسل دفاعاً عن أوهامه. الأول خاض معركة الضرورة، والثاني اختلق معركة لا ضرورة لها، ثم قدّم نفسه بطلاً لأنه خاضها. والتاريخ لا يُستعاد بالتقليد، ومن يستعير ثياب العظماء لا يرث عظمتهم بل يكشف المسافة بينه وبينهم.
إن أخطر ما تواجهه الأمم التي كانت يوماً إمبراطوريات هو الحنين. فالحنين، حين يتحوّل إلى برنامج سياسي، يصبح بديلاً من التفكير الواقعي، ويفتح الباب أمام من يجيد مخاطبة العاطفة على حساب العقل. وهذا بالضبط ما فعله جونسون: خاطب جرح الكبرياء الوطني بدل أن يعالجه، وغذّى الوهم بدل أن يواجه الحقيقة، فكانت الحصيلة خسارة على أكثر من صعيد.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن أزمة أعمق تعيشها النخب السياسية في الديمقراطيات الغربية، حيث باتت الشعبوية تقدّم الصورة على المضمون، والتغريدة على الاستراتيجية، والنجومية الإعلامية على الكفاءة في إدارة الدولة. فقد أثبتت تجربة جونسون أن القدرة على الفوز في الانتخابات لا تعني بالضرورة القدرة على الحكم، وأن من يبني شعبيته على الإثارة يجد نفسه عاجزاً حين تتطلّب اللحظة قرارات هادئة ومدروسة. والمؤسسات العريقة، مهما بلغت صلابتها، تتآكل حين يتولّى قيادتها من يتعامل معها كخشبة مسرح لا كأمانة عامة.
وقد قيل قديماً إن التاريخ يعيد نفسه، مرة في صورة مأساة ومرة في صورة مهزلة. وعندما يحكم مهرّج بقايا إمبراطورية، تتحوّل المأساة فعلاً إلى مهزلة، وتصبح تسريحة شعره أكثر استقراراً من سياساته. والدرس الذي يتجاوز بريطانيا وجونسون معاً أن الشعوب تدفع غالياً ثمن انبهارها بالاستعراض، وأن القيادة ليست أداءً مسرحياً بل مسؤولية ثقيلة تُقاس بنتائجها لا بضجيجها.