→ كتابات

الملك الذي انتقم لأمّه فأحرق مملكته

صورة غلاف مقال الملك الذي انتقم لأمّه فأحرق مملكته

السحر الآتي من الشرق

من شرق آسيا يأتينا اليوم سحر من نوع خاص. مسلسلات تملأ الشاشات، وأغنيات يرددها شبابنا من دون أن يفهموا كلمة واحدة منها، ومطبخ صار له في مدننا عشّاق ومريدون. لكن خلف هذا البريق المعاصر تقف حضارة عريقة لم تولد بالأمس، بل صنعت نفسها عبر قرون طويلة من الممالك والسلالات والعلم والكتابة.

عرفت شبه الجزيرة الكورية ممالك غوغوريو وبيكجي وشيلا، ثم جاءت سلالة غوريو التي حكمت من 918 إلى 1392، ومن اسمها اشتق الأوروبيون كلمة Korea. ثم قامت سلالة جوسون التي امتد حكمها من 1392 إلى 1897، وكانت عاصمتها هانيانغ، أي سيول الحالية. دولة مستقلة، يحكمها ملك وتديرها بيروقراطية كونفوشية تقدّس التعليم والتقاليد والأخلاق، وتربطها بالصين علاقات دبلوماسية وثقافية وثيقة.

وفي عهد الملك سيجونغ، أبدعت هذه الحضارة أبجديتها الخاصة، الهانغول، لتصبح الكتابة في متناول الناس لا حكراً على النخبة. إنجاز يكفي وحده ليقول الكثير عن عقل هذه الأمة.

أما ما بعد ذلك فمعروف: صارت كوريا إمبراطورية عام 1897، ثم خضعت للاستعمار الياباني من 1910 إلى 1945، وانقسمت بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولتين، شمالية وجنوبية.

بين الشاشة والتاريخ

عرضت نتفليكس عام 2025 مسلسل Bon Appetit, Your Majesty، وفيه ملك اسمه يي هون، شخصية خيالية مستوحاة من ملك حقيقي هو يونسانغون. أما الطاهية التي تسافر عبر الزمن من القرن الحادي والعشرين إلى بلاطه، وقصة الحب التي تنشأ بينهما، فمن صنع كتّاب السيناريو لا من صنع التاريخ. ولو عرف يونسانغون الحقيقي أن الأجيال ستتذكره يوماً كعاشق رومانسي يتذوق الأطباق، لربما ضحك طويلاً، أو أمر بمعاقبة أحدهم، فهذا كان أسهل عليه.

فلنترك المطبخ قليلاً، ولندخل القصر.

شاب على العرش

في عام 1494، بينما كانت أوروبا تدخل عصر الاكتشافات الكبرى، وكانت السفن البرتغالية تبحث عن طريق إلى الهند، كان شاب في الثامنة عشرة من عمره يجلس على عرش كوريا خلفاً لأبيه الملك سونغجونغ.

اسمه يي يونغ، وولد عام 1476، وصار الملك العاشر في سلالة جوسون. ورث مملكة مستقرة نسبياً، ذات إدارة مركزية وطبقة واسعة من العلماء والموظفين. كان يملك كل شيء تقريباً، إلا السلام مع ماضيه.

السر المدفون

كانت أمه، الملكة يون، قد اتُّهمت بمخالفات داخل القصر، فجُرّدت من لقبها الملكي، ثم أُجبرت على تناول السم بأمر من زوجها الملك سونغجونغ نفسه. وأُخفيت الحقيقة عن الابن سنوات طويلة، كأن القصور تستطيع أن تحفظ سراً إلى الأبد.

وبعد أن اعتلى العرش، عرف الحقيقة. ومن تلك اللحظة بدأت مواجهة بين ملك يريد أن يعيد الاعتبار لأمه، ورجال دولة شارك بعضهم في إدانتها أو دافع عن القرار الملكي.

موسم الحساب الأول

في عام 1498 شهدت المملكة أولى حملات التطهير الكبرى. أُعدم علماء ونُفي آخرون. ولم تكن المسألة قصة أم وابن فحسب، بل كانت أيضاً صراعاً بين أجنحة البلاط والمدارس الكونفوشية المتنافسة. وهكذا، في دولة تقوم على تبجيل العلماء، صار العالِم أكثر الناس حاجة إلى الحذر.

حين لا ينجو حتى الأموات

ثم جاءت سنة 1504، فاتسعت الدائرة. اعتقالات وعقوبات، ولم يعد كبار الوزراء ولا عائلاتهم في مأمن. بل إن بعض المسؤولين الذين غادروا الدنيا لم يفلتوا، إذ نُبشت رفاتهم وعوقبت عقاباً رمزياً. ويبدو أن الموت في تلك المملكة لم يكن كافياً لإغلاق الملف.

وتشير المصادر الكورية إلى أن نحو 230 شخصاً من المسؤولين وأفراد عائلاتهم طالتهم تلك الحملة.

ملك يلهو ومملكة تئن

وفي الوقت نفسه، ازداد إنفاق البلاط على الولائم والصيد والترفيه. صودرت ممتلكات وهُدمت بيوت لتوسيع ميادين الصيد الملكية، فكان على الرعية أن تفسح الطريق لا للملك وحده، بل لطرائده أيضاً. وضُيّق على كل صوت ناقد، فيما كانت المملكة ترزح تحت أعباء مالية وكوارث طبيعية.

وهنا تكمن المفارقة: ملك يملك سلطة شبه مطلقة، لكنه يخسر يوماً بعد يوم ثقة من يفترض أن يحكم بهم.

الانقلاب والمنفى

في عام 1506 تحرّك عدد من كبار المسؤولين، فأطاحوا بيونسانغون ونصّبوا أخاه غير الشقيق ملكاً، فصار الملك جونغجونغ.

لم يُقتل الملك المخلوع، بل نُفي إلى جزيرة قرب غانغهوا. وبعد نحو شهرين مات هناك، ولم يكن قد بلغ الثلاثين. ولم يُمنح اسم المعبد الذي حظي به ملوك جوسون، بل بقي في الذاكرة الرسمية أميراً مخلوعاً، يحمل لقب «غون». اثنتا عشرة سنة على العرش، وخمسة قرون من سوء السمعة.

كلمة في الإنصاف

غير أننا إذا أردنا أن ننظر إلى الموضوع بميزان العدل، فلا بد من التنبيه إلى أمر مهم: جانب كبير مما نعرفه عن يونسانغون وصلنا عبر سجلات كُتبت بعد سقوطه، أي بأقلام المنتصرين. ولهذا يدرس المؤرخون أيضاً السياسة الكامنة وراء تلك الروايات. فالتاريخ، كالمحكمة، لا يكتفي بشهادة طرف واحد.

السؤال الذي يبقى

تبقى قصة يونسانغون شاهداً على سؤال رافق الملوك والإمبراطوريات عبر العصور: ماذا يحدث عندما تصبح السلطة المطلقة أداة لتصفية حسابات الحاكم الشخصية؟

في كوريا ذلك الزمن، كان الجواب انقلاباً ومنفى وموتاً مبكراً، وقصة ما زالت تُروى بعد خمسة قرون. أما نتفليكس فاختارت أن تقدّم لنا الطبق محلّى بقصة حب. ولا بأس، فبعض الأطباق التاريخية مرّة إلى حد لا يُستساغ معه تقديمها كما هي.

بيتر جرمانوس

المصادر: موسوعة التاريخ الكوري، المعهد الوطني للتاريخ الكوري (contents.history.go.kr)، وموسوعة الثقافة الكورية، الأكاديمية الكورية للدراسات.

نُشر أيضًا على WordPress وMedium. Read in English