→ كتابات

بيتر جرمانوس: سندويش بثلاثة عشر دولارًا ومرآة الهوّة

سندويش طاووق في بيروت

في بيروت، صار سندويش طاووق بنحو ثلاثة عشر دولارًا حديث الناس. وبحسب وكالة رويترز، بيع منه أكثر من عشرين ألف سندويش في أحد عشر يومًا، فيما أُقفل اثنان وعشرون مطعمًا في الشهر الماضي وحده.

هذان الرقمان يختصران القصة. قلّة تنفق بلا حساب، وأكثرية تحسب ثمن الخبز. أربع أسر من كل خمس تعجز عن تأمين حاجاتها الأساسية بحسب اليونيسف، والحدّ الأدنى للأجور أربعمئة دولار، فيما تلتهم فاتورة المولّد جزءًا كبيرًا منه.

المشكلة ليست في مطعم يحدّد أسعاره كما يشاء، فهذا حقّه في سوق حرّة. المشكلة في منظومة المافيوقراطية التي نهبت الودائع وأفلست الدولة، فمحت الطبقة الوسطى وتركت مجتمعًا من طبقتين: طبقة تعيش، وطبقة تنتظر.

ولم تولد هذه الهوّة من السوق الحرّة، بل من نقيضها. فقد صادرت المافيوقراطية ودائع الناس في المصارف، وحمت المحتكرين والمهرّبين، واقتسمت المرافق العامة صفقاتٍ ومحاصصات، ثم أفلتت من كل محاسبة. هكذا انتقلت الثروة من جيوب المودعين والعاملين إلى قلّة محميّة، فصار الغنى امتيازًا سياسيًا لا ثمرة عمل وإنتاج، وصار الفقر قدرًا مفروضًا على من التزم القانون.

الاقتصاد الحرّ الحقيقي لا يصنع هذه الهوّة، بل يردمها. يحتاج إلى منافسة نزيهة وقضاء مستقلّ ومحاسبة الفاسدين، لا إلى احتكار وحماية سياسية. حين يُحاسَب من نهب، تعود الثقة ويعود الاستثمار ويتّسع الرزق للجميع.

لن يكون السندويش مقياسًا للفقر حين تُكسر حلقة المافيوقراطية.

المصدر: رويترز، 25 تشرين الأول 2026.