ريتشارد باركر: الرجل الذي مات مرتين
نُشر في الأصل على: المدوّنة.

هذه قصة حقيقية، والمصادفة التي تربطها برواية إدغار آلان بو ثابتة تاريخياً. ففي عام 1838 نشر الكاتب الأميركي إدغار آلان بو روايته «قصة آرثر غوردون بيم»، وفيها بحارة تقطعت بهم السبل يواجهون المجاعة، فيختارون بالقرعة واحداً منهم ليُقتل ويؤكل، وكان اسمه ريتشارد باركر. وبعد ستة وأربعين عاماً، سنة 1884، قُتل فتى بريطاني في السابعة عشرة يحمل الاسم نفسه، في ظروف شديدة الشبه بأحداث الرواية. وبلغت القضية القضاء الإنكليزي، فصارت من أشهر السوابق المتعلقة بالدفع بحالة الضرورة. والأغرب أن صحيفة «فريمانز جورنال» الإيرلندية تناولت هذه المصادفة في عددها الصادر في 10 كانون الأول 1884.
ما يلي سرد تاريخي قصير مستوحى من هذه الواقعة. الأحداث الأساسية والأسماء والتواريخ حقيقية، أما الحوارات والمشاعر وتفاصيل المشاهد فإعادة بناء أدبية متخيّلة.
الفصل الأول: الكاتب الذي اختار اسماً للموت
في إحدى ليالي عام 1838، جلس إدغار آلان بو إلى أوراقه يكتب عن أكثر ما كان يخيفه: الموت. لم يكن الموت عنده نهاية الحياة فحسب، بل ذلك الكائن الغامض الذي يرافق الإنسان منذ ولادته، ويتربص به في الظلام حتى تحين ساعته.
كان بو يكتب رواية عن البحر. رجال تقطعت بهم السبل، والجوع ينهش أجسادهم، والمحيط يمتد حولهم بلا نهاية. وكانت الرواية تتطلب ضحية، شخصاً يموت ليعيش الآخرون. فبأي اسم يسميه؟
في الخيال الأدبي قد يولد الإنسان من كلمة، وقد يُحكم عليه بالموت لمجرد أن يكتب المؤلف اسمه. اختار بو اسماً إنكليزياً عادياً: ريتشارد باركر. ثم مضى يكتب مصيره.
في روايته، يتفق الرجال على قرعة تحدد من سيموت ليصير جسده طعاماً للآخرين. يتقدم كل منهم ليسحب عوده، وكان صاحب العود المشؤوم ريتشارد باركر. كتب بو مشهد القتل، ثم تابع روايته.
لم يكن ريتشارد باركر في نظر العالم سوى شخصية متخيلة، ضحية على صفحات كتاب، ولم يكن ثمة ما يدعو أحداً إلى الظن بأنه سيصير يوماً إنساناً من لحم ودم. صدرت الرواية وتداولها القراء، ثم مضت السنون. وفي سنة 1849 مات إدغار آلان بو.
لكن الاسم الذي كتبه لم يمت معه. كان ينتظر في مكان ما من المستقبل سفينة لم تُبنَ بعد، وفتى لم يولد بعد.
الفصل الثاني: الفتى الذي لم يقرأ الرواية
إنكلترا، ربيع عام 1884.
كان ريتشارد باركر في السابعة عشرة من عمره، شاباً يافعاً لم يعرف من الحياة إلا القليل، لكنه أدرك أن البحر قد يفتح للفقير باباً للخروج من ضيق عيشه. وكان يعمل فتى خدمة على متن يخت بريطاني صغير اسمه «مينيونيت» (Mignonette).
لم يكن اليخت معدّاً أصلاً للرحلات الطويلة عبر المحيطات، لكنه كان يتهيأ لعبور آلاف الأميال إلى أستراليا. وعلى متنه أربعة: القبطان توم دادلي، ومساعده إدوين ستيفنز، والبحار إدموند بروكس، والفتى ريتشارد باركر. لم يكن أحد منهم يعلم أن مأساة تنتظرهم في عرض البحر، وأن أسماءهم ستدخل كتب القانون.
في مشهد يمكن تخيّله من تلك الرحلة، وقف باركر على سطح اليخت يتأمل الأفق، فسأله القبطان: «هل تخاف البحر يا ريتشارد؟»
ابتسم الفتى وقال: «أخاف ألا أرى اليابسة مرة أخرى.»
فضحك القبطان: «البحر يأخذ الرجال الشجعان أحياناً، لكنه لا يأخذهم جميعاً.»
لم يكن يعرف أن هذه الجملة ستغدو بعد أسابيع سؤالاً مرعباً عن معنى الشجاعة، ولا أن الفتى الواقف أمامه يحمل اسماً سبق أن اختاره كاتب راحل لضحية مأساة بحرية.
الفصل الثالث: الخامس من تموز
في الخامس من تموز 1884، كانت «مينيونيت» تبحر في جنوب المحيط الأطلسي، على مسافة تقارب 1600 ميل من رأس الرجاء الصالح. كانت الرياح عنيفة، والأمواج تتلاحق كأن المحيط يحاول أن ينتزع اليخت من سطحه.
ثم جاءت موجة هائلة، جدار من الماء اندفع على الهيكل فألحق به ضرراً قاتلاً، وبدأت المياه تتدفق إلى الداخل. صرخ القبطان: «إلى القارب! بسرعة!»
لم يكن ثمة وقت لجمع الطعام أو الماء. اندفع الأربعة إلى قارب نجاة صغير لا يتجاوز طوله أربعة أمتار تقريباً، وبعد دقائق غابت «مينيونيت» تحت الماء. ظل الرجال يحدقون في الموضع الذي كانت فيه سفينتهم، ولم يبقَ لهم من عالمهم سوى قارب خشبي وعلبتين صغيرتين من اللفت. لا ماء صالحاً للشرب، ولا أرض تلوح في الأفق.
في تلك اللحظة كانت إنكلترا، بقوانينها ومحاكمها، تبعد عنهم آلاف الأميال، ولم يبقَ معهم إلا قانون آخر: قانون البقاء.
الفصل الرابع: حين يصير الجوع سيداً
في الأيام الأولى اقتسم الرجال ما بقي من طعام، يتناولون قليلاً من اللفت ويحاولون جمع ماء المطر. وفي اليوم الرابع تقريباً تمكنوا من اصطياد سلحفاة بحرية، فكانت لهم كهدية من السماء، أكلوا منها أياماً ثم نفد كل شيء.
وبدأ الجوع. ليس الجوع الذي يشعر به المرء قبل العشاء، بل جوع يمزق الجسد ويحوّل النوم إلى هلوسة. كانت الشمس تحرق وجوههم نهاراً، والبرد ينهش أجسادهم ليلاً، وكل يوم يمر يجعل الكلام أصعب والأمل أبعد.
أما ريتشارد باركر فكان أصغرهم وأضعفهم. وفي لحظة يأس شرب من ماء البحر، إذ كان عطشه أقوى من معرفته بالخطر. لكن الماء المالح لم ينقذه، بل زاد مرضه وعجّل بانهيار جسده، حتى صار عاجزاً عن الحركة تقريباً، مستلقياً في قاع القارب يتنفس بصعوبة.
وبينما كان البحر يواصل تموجه اللامبالي، أخذت فكرة مرعبة تتسلل إلى عقول الرجال الثلاثة: إن مات أحدهم، فقد يعيش الآخرون. ثم جاءت الفكرة الأشد ظلمة: ولماذا ينتظرون موته؟
الفصل الخامس: الجريمة التي أنقذت ثلاثة رجال
كان اليوم العشرون من المحنة يقترب. نظر القبطان دادلي إلى رفيقيه، وقد صارت وجوههم أشبه بوجوه الهياكل العظمية، وقال بصوت خافت: «إن بقينا على هذه الحال متنا جميعاً.»
لم يجبه أحد. ثم أضاف: «ربما نجا ثلاثة منا إذا مات واحد.»
اعترض بروكس، فلم يكن مستعداً للمشاركة في قتل إنسان بريء. لكن دادلي وستيفنز نظرا إلى الفتى المريض. لم تكن لريتشارد أسرة يعيلها، خلافاً للرجال الآخرين، وكان في تقديرهم على شفير الموت. وأخذت الفكرة التي بدت مستحيلة تتحول إلى قرار.
تداولوا في إجراء قرعة، لكن القرعة لم تُجرَ. وهنا كانت المأساة الحقيقية أشد قسوة من رواية بو: ففي الرواية كان ريتشارد باركر ضحية الحظ، أما في الواقع فكان ضحية اختيار الآخرين.
في صباح الخامس والعشرين من تموز 1884 لم تظهر سفينة في الأفق. كان الفتى شبه فاقد للوعي. اقترب منه القبطان، وصلى طالباً المغفرة، ثم أخرج سكيناً صغيرة، وفي لحظات انتهت حياة ريتشارد باركر. لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة.
اقتات الرجال بجسده ليبقوا على قيد الحياة، وكان بروكس، رغم رفضه المشاركة في القتل، ممن أكلوا بعد وقوع الجريمة. لم يكن في القارب منتصرون، بل ثلاثة رجال أحياء وفتى ميت، وصمت ثقيل لا تمحوه الأمواج.
وبعد أربعة أيام فقط، في التاسع والعشرين من تموز، ظهرت في الأفق سفينة ألمانية تدعى «مونتيزوما»، فاقتربت من القارب الصغير وأنقذت الرجال الثلاثة. نجوا من الموت، لكنهم لم ينجوا مما فعلوه.
الفصل السادس: محاكمة الجوع
حين عاد الرجال إلى إنكلترا، لم يختلقوا رواية عن وفاة الفتى، بل اعترفوا بما حدث. ولعلهم ظنوا أن الناس سيتفهمون فعلتهم، فقد كانوا في عرض المحيط يواجهون موتاً محققاً على ما اعتقدوا، وفعلوا ما رأوه ضرورياً للبقاء.
لكن القانون كان أمام سؤال عسير: هل يحق لإنسان أن يقتل بريئاً لينقذ حياته؟
بدأت المحاكمة، وصارت قضية «الملكة ضد دادلي وستيفنز» (R v Dudley and Stephens) من أشهر قضايا القانون الجنائي. دفع المتهمان بحالة الضرورة، وكان جوهر حجتهما أنهما لم يقتلا بدافع الحقد ولا طمعاً في مال، بل لأنهما كانا يموتان.
غير أن المحكمة رأت أن قبول هذا الدفع يفتح باباً يستحيل إغلاقه. فإذا جاز للأقوى أن يقتل الأضعف بحجة البقاء، فمن يملك أن يقرر أي حياة تستحق النجاة وأيها يجوز التضحية بها؟
في التاسع من كانون الأول 1884 صدر الحكم: أُدين دادلي وستيفنز بالقتل العمد وقُضي عليهما بالإعدام، ثم خُففت العقوبة بعفو من التاج إلى السجن ستة أشهر. نجا الرجلان من حبل المشنقة، لكن القضية أرست مبدأً قانونياً راسخاً، وهو أن الضرورة لا تبرر قتل إنسان بريء لإنقاذ حياة آخر.
وهكذا صار ريتشارد باركر أكثر من ضحية، صار اسمه سابقة قضائية تُدرَّس جيلاً بعد جيل.
الفصل السابع: الكتاب الذي عاد من الموت
دبلن، 10 كانون الأول 1884.
فيما كانت الصحف البريطانية تناقش الحكم الصادر بحق البحارة، نشرت صحيفة «فريمانز جورنال» (Freeman's Journal) الإيرلندية مقالة اكتشف كاتبها أمراً أغرب من الجريمة نفسها. فقبل ستة وأربعين عاماً كتب إدغار آلان بو رواية عن بحارة يواجهون الجوع في البحر ويقررون التضحية بواحد منهم، وكان اسمه باركر، الاسم نفسه الذي حمله الفتى الذي قتله البحارة. أعادت الصحيفة نشر مقطع من الرواية القديمة، ولفتت إلى هذه المصادفة الاستثنائية.
لنتخيل قارئاً في دبلن يتصفح الصحيفة في ذلك الصباح البارد. يقرأ تفاصيل المحاكمة، ثم تقع عيناه على اسم الكاتب الأميركي الراحل، فيتذكر روايته ويفتح الكتاب القديم على المشهد الذي كُتب عام 1838: رجال في عرض المحيط، والجوع، وقرار قتل أحدهم، ثم الاسم: ريتشارد باركر.
يرفع القارئ رأسه وينظر من النافذة، متسائلاً كيف أمكن لخيال رجل مات قبل خمسة وثلاثين عاماً أن يقترب إلى هذا الحد من جريمة حقيقية. لم يكن بو يعرف الفتى، ولم يكن الفتى قد وُلد يوم كتب بو روايته، ولم تكن السفينة التي حملته إلى حتفه قد بُنيت بعد. ومع ذلك بدا التاريخ كأنه أعاد تمثيل مشهد أدبي، محتفظاً باسم الضحية نفسه.
الفصل الأخير: هل يكتب الأدب المستقبل؟
ربما لم تكن المسألة أكثر من مصادفة. فحوادث الغرق كثيرة، وتاريخ الملاحة حافل بقصص الجوع وأكل لحوم البشر، واسم ريتشارد باركر لم يكن من الندرة بحيث يمتنع تكراره. ولعل العقل البشري يميل إلى العثور على الأسرار حيث لا توجد إلا الاحتمالات.
لكن ذلك لا يمحو الرعشة التي تعتري المرء حين يرى واقعة حقيقية تطابق إلى هذا الحد ما كتبه روائي قبل عقود. في عام 1838 جلس إدغار آلان بو يختار اسماً لشخصية متخيلة ستموت في البحر، وفي عام 1884 كان ريتشارد باركر الحقيقي يلفظ أنفاسه في قارب صغير وسط المحيط الأطلسي. الأول مات في رواية، والثاني مات في الحياة. الأول اختاره الحظ في قرعة، والثاني اختاره رجال قرروا أن حياتهم أثمن من حياته.
قد يكون كل ذلك محض مصادفة. لكن أكثر ما يثير الرهبة في هذه الحكاية ليس أن بو كتب موت ريتشارد باركر قبل وقوعه بستة وأربعين عاماً، بل أن الفتى الحقيقي عاش سبعة عشر عاماً وواجه المحيط والجوع والموت، من دون أن يعرف أن قصته كانت قد كُتبت، وأن نهايتها كانت تنتظره منذ زمن طويل على صفحات رواية قديمة.
المراجع التاريخية: رواية «قصة آرثر غوردون بيم» الصادرة سنة 1838؛ الحكم الصادر في 9 كانون الأول 1884 في قضية R v Dudley and Stephens؛ ومقالة صحيفة Freeman's Journal المنشورة في 10 كانون الأول 1884.