إعادة بناء سجلّ المركبات والسلامة المرورية في لبنان بواسطة الذكاء الاصطناعي: خريطة طريق قانونية وتقنية
قلّما تُجسّد خدمةٌ عامة أزمةَ الدولة اللبنانية بوضوح كما يُجسّدها تسجيل المركبات. فهيئة إدارة السير والآليات والمركبات، المعروفة لدى كل مواطن باسم "النافعة"، أمضت السنوات الأخيرة مشلولةً بفعل تحقيقات الفساد والإقفال وتراكم المعاملات والملفات الورقية. وفي الوقت نفسه، لا تزال طرقاتنا من بين الأخطر في المنطقة. غير أنّ أدوات معالجة المشكلتين متوافرة أصلًا. فالذكاء الاصطناعي، إذا وُضع ضمن إطار قانوني واضح، قادر على تحويل تسجيل المركبات وضبط المخالفات المرورية من مصدرٍ للرشوة إلى خدمة عامة شفافة قائمة على البيانات.
1. سجلّ رقمي بوصفه الأساس
لا يمكن لأي نظام ذكي أن يعمل فوق أرشيف ورقي. الخطوة الأولى هي إنشاء سجلّ وطني إلكتروني موحّد للمركبات والسائقين ورخص القيادة. ينبغي أن يتضمّن تاريخ الملكية، ونتائج المعاينة الميكانيكية، ووضع التأمين، والغرامات، والتخليص الجمركي، وأن يكون مرتبطًا عبر واجهات آمنة بوزارة المالية والجمارك وشركات التأمين وقوى الأمن الداخلي.
وعلى هذا الأساس، يستطيع الذكاء الاصطناعي أتمتة العمل الروتيني. فنماذج التعرّف على المستندات قادرة على قراءة البيانات الجمركية وعقود البيع ووثائق الهوية والتحقق منها. وخوارزميات رصد الحالات الشاذة قادرة على التنبيه إلى أنماط مريبة، كمركبة أُعيد تسجيلها مرات عدة خلال فترة قصيرة، أو تفاوت بين القيمة المصرّح بها والقيمة السوقية، أو رقم هيكل مرتبط بقاعدة بيانات السيارات المسروقة. وهكذا يسلك كل ملف مسارًا رقميًا يمكن تتبّعه. وتحلّ محلّ السلطة الاستنسابية للموظف الفرد، وهي الموطن الطبيعي للفساد، قواعدُ تُطبَّق على الجميع بالتساوي وتُدوَّن في سجلّ تدقيق.
2. المراقبة المرورية الذكية
على الطريق، تستطيع أنظمة الرؤية الحاسوبية المتصلة بكاميرات عند التقاطعات الرئيسية والأوتوسترادات رصد تجاوز السرعة، وقطع الإشارة الحمراء، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، وعدم وضع حزام الأمان. كما يستطيع التعرّف الآلي على لوحات التسجيل مطابقة كل مركبة مع السجلّ في الوقت الفعلي، فيحدّد السيارات غير المؤمَّنة، والمركبات التي لا تحمل معاينة ميكانيكية سارية، واللوحات المبلَّغ عن سرقتها أو المرتبطة بأشخاص مطلوبين.
وتضيف التحليلات التنبّؤية بُعدًا وقائيًا. فمن خلال الجمع بين سجلّ الحوادث وكثافة السير والأحوال الجوية وحالة الطرقات، تستطيع النماذج تحديد النقاط السوداء التي يُرجَّح أن تقع فيها الاصطدامات. وعندها يمكن لقوى الأمن الداخلي نشر الدوريات، وللمهندسين إعادة تصميم الطرقات الخطرة قبل أن تُزهق الأرواح، لا بعد ذلك.
3. الإطار القانوني: الاستفادة من الموجود وسدّ الثغرات
التكنولوجيا من دون قانون تعسّف. ولدى لبنان أصلًا نصّان مهمّان. فقانون السير رقم 243 لعام 2012 يحدّد المخالفات والعقوبات ونظام رخصة القيادة بالنقاط. والقانون رقم 81 لعام 2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي ينظّم الإثبات الإلكتروني ومعالجة البيانات الشخصية. ولم يُكتب أيٌّ منهما مع أخذ الذكاء الاصطناعي في الحسبان، وينبغي لمجلس النواب تعديلهما في أربع نقاط.
أولًا، يجب أن يعترف القانون صراحةً بالقوة الثبوتية للرصد الآلي. وعليه أن يشترط معدّات مصدّقة تخضع للمعايرة بانتظام، وسلسلة حفظ آمنة للصور والبيانات، بحيث يصمد محضر المخالفة الآلي أمام الطعن لدى المحاكم.
ثانيًا، لا يجوز أن تفرض الآلة وحدها أي عقوبة. يجب أن يراجع ضابط مؤهّل كل مخالفة قبل التبليغ. ويجب أن يحتفظ السائق بحقّه في الاطلاع على الأدلة وفي الطعن بها أمام هيئة مستقلة ثم أمام القاضي. ومبدأ الرقابة البشرية الفعلية هذا محوريّ في التنظيم الحديث للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي.
ثالثًا، يجب أن تكون حماية البيانات صارمة. ينبغي أن تُحفظ الصور لمدة محدودة وأن تُحذف تلقائيًا عند عدم تسجيل أي مخالفة. ويجب حجب وجوه الركاب والمارّة. وينبغي أن يكون الوصول إلى البيانات مقيّدًا ومسجَّلًا، وأن يُحظر استعمالها لأغراض تتجاوز السلامة المرورية من دون أمر قضائي. كما ينبغي أن تتمكّن هيئة رقابية مستقلة من تدقيق الخوارزميات ومعاقبة التجاوزات.
رابعًا، يجب أن يكون الشراء العام شفافًا. ينبغي أن تمرّ عقود الكاميرات والبرمجيات واستضافة البيانات عبر مناقصات مفتوحة وفق قانون الشراء العام رقم 244 لعام 2021. ويجب أن تتضمّن بنودًا تضمن ملكية الدولة للبيانات وحقّها في الوصول إلى الشيفرة المصدرية، وأن تحظر استضافة البيانات الحساسة للمواطنين في الخارج من دون ضمانات قانونية.
4. تطبيق واقعي
لا يحتاج لبنان إلى إنجاز كل شيء دفعةً واحدة. فمشروع تجريبي على أوتوستراد بيروت–جونية، وتجديد التسجيل عبر الإنترنت، كفيلان بإظهار نتائج سريعة. ويمكن لعائدات الغرامات، المحصَّلة إلكترونيًا وبشفافية، أن تموّل توسيع النظام. وينبغي أن تشرف عليه وحدة مخصّصة تجمع المهندسين والحقوقيين والضباط الأمنيين، مع تقارير علنية دورية عن الحوادث والمخالفات والشكاوى.
خاتمة
لن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ سيادة القانون. لكنّه يستطيع أن يجعل القانون قابلًا للتطبيق، ومتساويًا، وقابلًا للتحقّق لكل مواطن. فسجلٌّ حديث ومراقبة مرورية ذكية من شأنهما الحدّ من الفساد، وإنقاذ الأرواح، واستعادة قدرٍ من الثقة بين المواطنين اللبنانيين ودولتهم. وما ينقصنا ليس التكنولوجيا، بل الإرادة السياسية والتشريع السليم.