→ كتابات

بردية إدوين سميث: عندما عرف المصريون علم الجراحة قبل 3600 عام

بردية إدوين سميث، غلاف مقال بيتر جرمانوس

يكتب بيتر جرمانوس: قبل نحو 3600 عام، كانت الحضارة المصرية القديمة قد بلغت مستوى مذهلاً من المعرفة الطبية، تشهد عليه «بردية إدوين سميث»، إحدى أقدم الوثائق الجراحية المعروفة في التاريخ الإنساني.

بردية من زمن بعيد

كُتبت البردية نحو سنة 1600 قبل الميلاد بالخط الهيراطيقي، وهو الخط المصري المختصر الذي استعمله الكتبة في الشؤون اليومية والعلمية. ويُرجّح الباحثون أنها نسخة عن مؤلَّف أقدم يعود إلى قرون سابقة، ربما إلى عصر الدولة القديمة، بدليل الشروح التي أضافها الناسخ لتفسير مصطلحات لم تعد مفهومة في زمنه. أما مؤلفها فمجهول، وإن ارتبطت بعض الفرضيات باسم إمحوتب، المهندس والحكيم المصري الشهير الذي أُلّه لاحقاً بوصفه إلهاً للطب، دون إثبات تاريخي قاطع.

يبلغ طول البردية نحو 4.7 أمتار، وتتضمن 48 حالة طبية مرتبة من الرأس نزولاً، تتناول إصابات الرأس والدماغ والوجه والرقبة والكتفين والصدر والعمود الفقري. وينقطع النص فجأة في منتصف حالة، كأن الناسخ توقف عن العمل ولم يعد إليه.

بردية إدوين سميث بالخط الهيراطيقي، نحو 1600 قبل الميلاد

منهج يسبق عصره

والمدهش أن النص لا يكتفي بوصف الإصابات، بل يعتمد منهجاً طبياً منظماً يتكرر في كل حالة: عنوان، ففحص للمريض وملاحظة للأعراض، ثم تشخيص، ثم حكم صريح على فرص الشفاء في واحدة من ثلاث عبارات: «مرض سأعالجه»، أو «مرض سأصارعه»، أو «مرض لا يُعالج». وبعد ذلك يأتي وصف العلاج، من خياطة الجروح وتضميدها بالكتان والعسل إلى تثبيت الكسور بالجبائر، أو يأتي الإقرار الأمين باستحالة المعالجة.

وتكشف البردية عن معرفة مبكرة بتشريح الجسم، وفيها أقدم ذكر مكتوب معروف للدماغ وأغشيته والسائل المحيط به. وقد لاحظ كاتبها العلاقة بين إصابات الرأس والعمود الفقري من جهة، والشلل واضطرابات الحركة والنطق من جهة أخرى، في محاولة استثنائية لفهم المرض اعتماداً على الملاحظة والاستنتاج.

واللافت أن معظم الحالات إصابات ناتجة عن جروح وكسور وصدمات، ما يرجّح أن خبرة كاتبها تكوّنت في ورش البناء الكبرى أو في ميادين القتال. ولا تحضر التعاويذ إلا في موضع واحد تقريباً، في حين يقوم سائر النص على وصف ما تراه العين وتلمسه اليد.

رحلة المخطوطة

اشترى جامع الآثار الأميركي إدوين سميث المخطوطة سنة 1862 في الأقصر. وبعد وفاته قدمتها ابنته سنة 1906 إلى جمعية نيويورك التاريخية، ثم نشر عالم المصريات جيمس هنري بريستد ترجمتها ودراستها العلمية سنة 1930. وهي محفوظة اليوم في أكاديمية نيويورك للطب.

لماذا تهمنا اليوم

تكمن الأهمية الحضارية لهذه الوثيقة في أنها تبرهن أن التفكير الطبي المنهجي لم يبدأ مع أبقراط واليونان، بل سبقه المصريون بأكثر من ألف عام. فالطبيب المصري الذي يقول لمريضه إن حالته لا تُعالج كان يمارس أمانة علمية نادرة، ويرفض أن يبيع الوهم.

إنها ليست مجرد بردية طبية، بل شهادة تاريخية على إحدى المحاولات المبكرة للانتقال من التفسير الغيبي للمرض إلى الملاحظة العقلانية والتشخيص العلمي. وفي زمن تتسع فيه الخرافة من جديد، تذكّرنا مصر القديمة بأن العقل كان دائماً أقدم دواء.

بيتر جرمانوس

نُشر أيضًا على WordPress. Read in English