الذكاء الاصطناعي والأمن المروري في لبنان: ربط التسجيل والضبط الأمني والمدن
طرقات لبنان ليست مزدحمة فحسب، بل هي ناقصة الحوكمة. فالوفيات والحوادث التي كادت تقع قلّما تنجم عن إخفاقٍ واحد. إنّها تنبع من بياناتٍ مجزّأة، ومن ضعف التنسيق بين هيئة إدارة السير والآليات والمركبات (النافعة)، والشرطة، والبلديات الكبرى التي باتت تعمل كمدنٍ صغيرة من حيث عدد السكان وحجم الحركة. ولن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ سيادة القانون. لكنّه، إذا أُحسن استخدامه، يستطيع أن يربط تلك المؤسسات بحيث تصبح اللوحة، أو أوراق الدراجة النارية، أو الهاتف المحمول في يد السائق، أو عبور أحد المشاة أوتوستراد مسرعًا، مرئيةً في الوقت المناسب لمنع الضرر، وخاضعةً للمساءلة عند وقوعه.
هوية واحدة لكلّ مركبة، تُشارَك في الوقت الفعلي
اليوم، تعيش سجلات التسجيل، وعمليات التوقيف الشرطية، وتغذية كاميرات البلديات غالبًا في جزرٍ منفصلة. وتبدأ البنية الجاهزة للذكاء الاصطناعي من هوية مركبة واحدة: اللوحة، والهيكل، والمالك، وفئة رخصة السوق، والتأمين، وحالة الفحص الميكانيكي، تُسوّى باستمرار بين النافعة والشرطة. وينبغي أن تتلقّى البلديات الكبرى، مثل بيروت وطرابلس وصيدا وصور وزحلة وسائر المراكز الحضرية المماثلة، تنبيهاتٍ بحقّ الاطّلاع متى دخلت شبكتَها مركبةٌ غير مسجّلة أو منتهية الصلاحية أو مُدرَجة للتدقيق. فالخوارزميات لا تخترع الذنب؛ إنّها تُظهر الاستثناءات ليتحقّق منها الضباط. والأساس القانوني يبقى هو نفسه: معالجة مشروعة للبيانات، وقواعد واضحة للاحتفاظ بها، ومسارات تدقيق تحول دون أن تتحوّل الأتمتة إلى سلطةٍ تعسّفية.
الدراجات النارية: السرعة والأوراق والمجهولية
تهيمن الدراجات النارية على كثير من المحاور اللبنانية. وهي تُركّز المخاطر أيضًا: سرعاتٌ عالية في سيرٍ مختلط، ووثائق ناقصة، وثغرات متكرّرة في اللوحات أو التسجيل. ويستطيع الرصد بالرؤية الحاسوبية عبر الكاميرات الثابتة والمتنقّلة أن يصنّف المركبات ذات العجلتين، ويقدّر سرعتها، ويطابق لوحاتها مع صلاحية التسجيل لدى النافعة. وحيث تكون اللوحات مفقودة أو محجوبة أو غير مطابقة، ينبغي أن يرفع النظام الأمر إلى دوريات الشرطة ووحدات السير البلدية، لا كبديلٍ عن الحضور في الشارع، بل كمضاعِفٍ للقوة. أمّا الغرامات وإجراءات الحجز فيجب أن تبقى في القانون وأمام المحاكم؛ ودور الذكاء الاصطناعي هو الكشف وترتيب الأولويات، لا العقاب الصامت.
المشاة على الأوتوسترادات: التصميم والرصد معًا
عبور طريقٍ سريع سيرًا على الأقدام ليس خيارًا في نمط الحياة؛ بل هو في كثيرٍ من الأحيان الدرب الوحيد بين أحياءَ يقسمها الإسفلت. وهذا السلوك يعرّض المشاة للخطر، ويعرّض كلّ راكبٍ في مركبةٍ تضطرّ إلى الكبح المفاجئ. والذكاء الاصطناعي لا يستطيع وحده أن يعيد بناء الجسور المخصّصة للمشاة، لكنّه يستطيع أن يرسم خريطة النقاط الساخنة التي تتكرّر فيها حالات العبور، ويحصي الحوادث التي كادت تقع من خلال تحليلات الكاميرات، ويدفع بتحذيراتٍ فورية إلى اللوحات المتغيّرة على جانب الطريق وإلى وحدات الدورية المتّصلة بالشبكة. وعلى البلديات التي تعرف أكثر نقاط العبور غير النظامية كثافةً أن تغذّي بإحداثياتها خريطةَ مخاطر مرورية وطنية تتشاركها مع الشرطة. ويجب أن يقترن التشدّد في مواجهة المشي المتهوّر على الأوتوسترادات ببدائل آمنة؛ فالتكنولوجيا بلا بنية تحتية مسرحية.
الهاتف خلف المقود: الرصد والردع
القيادة مع تشتّت الانتباه باتت اليوم قاتلة كالكحول في كثيرٍ من البلدان. وتستطيع الأنظمة الحديثة المثبّتة على جانب الطريق أو على لوحة القيادة أن ترصد السائقين الذين يمسكون الهاتف أو ينظرون إليه بموثوقية متزايدة. وينبغي للبنان أن يعامل استخدام الهاتف أثناء القيادة بوصفه مخالفةً ذات أولوية: رصدٌ آلي، وتثبّتٌ من الضابط حيث يلزم، وعقوباتٌ متدرّجة، ونقاطٌ على الرخصة تثبت فعلًا في سجلّ النافعة. والمخاوف المتّصلة بالخصوصية مشروعة. والجواب عنها يكمن في غرضٍ ضيّق (السلامة المرورية فقط)، وإشعارٍ شفّاف بوجود المراقبة على محاور محدّدة، ومراجعةٍ مستقلة للإنذارات الكاذبة. فالردع ينجح حين يؤمن السائقون بأنّ احتمال أن يُرصَدوا حقيقي.
لنقسّم لبنان إلى مناطق سير، ولنطرح كلّ منطقة في مناقصة
الطموح المركزي من دون تنفيذٍ محلّي سيفشل. وثمّة إصلاح عملي هو تقسيم البلد إلى مناطق محدّدة لإدارة السير، تنسجم مع المحافظات أو مع مجموعات من البلديات، وإسناد كلّ منطقة، عبر مناقصة عامّة مفتوحة، إلى مشغّلٍ متخصّص تحت إشراف الشرطة والوزارة. وتكون مهمّة المشغّل واضحة: جاهزية الكاميرات والمستشعرات، وتدفّق البيانات إلى المنصة المشتركة بين النافعة والشرطة، وأهداف رصد الدراجات النارية واستخدام الهاتف، والإبلاغ عن النقاط الساخنة للمشاة، ومستويات خدمة تُنشَر للمواطنين. فالمناقصة تفرض التنافس على السعر والجودة؛ كما أنّها تنتج عقودًا قابلة للقياس بدل الوعود الغامضة. وتحتفظ الدولة بالسيادة على القانون وعلى بيانات الهوية وعلى سلطة الإنفاذ. ويقدّم الشريك الخاص التكنولوجيا والصيانة والأداء: خاضعًا للتدقيق، وقابلًا للاستبدال، وملزَمًا بقواعد الشراء العام اللبنانية.
كيف يبدو النجاح
النجاح ليس لوحة مؤشّرات. إنّه تراجع حوادث الدراجات النارية الناجمة عن آلياتٍ غير مرخّصة أو غير صالحة؛ وانخفاض وفيات المشاة على الأوتوسترادات؛ وتراجع حوادث التصادم المتسلسل المرتبطة بالهاتف؛ وسجلّ في النافعة يتحدّث حين لا تُسدَّد غرامة أو تُحجَز مركبة. وتصبح البلديات الكبرى شريكًا تشغيليًا لا متفرّجًا. وتتلقّى الشرطة لوحاتٍ مجهولة أقلّ وتنبيهاتٍ قابلة للتنفيذ أكثر. ويرى المواطنون أنّ القواعد تسري على الجميع سواءً في ازدحام بيروت أو على طريقٍ ساحلي سريع.
الذكاء الاصطناعي أداة تنسيق. وأزمة السير في لبنان إخفاقٌ في الربط بين التسجيل والضبط الأمني والمدن التي تعيش الفوضى اليومية. فلنربط هذه الأطراف الثلاثة؛ ولنطرح أداء المناطق في مناقصات علنية؛ ولنُبقِ الحكم البشري والمحاكم في صلب المنظومة. بهذا تخدم التكنولوجيا الأمن على الطريق، من دون أن تتنازل عن سلطة الجمهورية عليه.