سيارات أذكى وطرقات أكثر أمانًا: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدّ من القيادة المتهوّرة ويحمي شبابنا
بصفتي مدّعيًا عامًا وقاضي تحقيق سابقًا، قرأتُ عددًا كبيرًا جدًا من ملفات الحوادث التي بدأت بسائق شاب، وهاتف، وسرعة زائدة، وطريق ليلي. ووفقًا لبيان منظمة الصحة العالمية الصادر في تموز 2026، أودت حوادث الطرق بحياة 1.16 مليون شخص حول العالم عام 2025، ولا تزال إصابات حوادث المرور السببَ الأول للوفاة بين الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و29 عامًا. في مقال سابق، اقترحتُ إعادة بناء سجلّ المركبات في لبنان بواسطة الذكاء الاصطناعي. وأنتقل هنا إلى الوقاية: كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي إيقاف السلوك المتهوّر قبل أن يتحوّل إلى شهادة وفاة.
1. المركبة الذكية خطَّ دفاعٍ أول
تحمل السيارات الحديثة على نحو متزايد مساعدَ سائقٍ صامتًا. فكاميرات مراقبة السائق ترصد النعاس وتشتّت الانتباه وتُصدر تحذيرات متصاعدة. ونظام المساعدة الذكية على ضبط السرعة يقرأ إشارات السير وبيانات الخرائط وينبّه السائق، أو يقاوم التسارع، عند تجاوز الحدّ المسموح. وأنظمة الكبح الآلي في حالات الطوارئ والحفاظ على المسار تتدخّل في جزء الثانية الذي يعجز فيه ردّ الفعل البشري. كما تستطيع تقنيات كشف الكحول وأجهزة القفل المرتبطة بها منع السائق الذي تأثّرت قدرته من تشغيل المحرك أصلًا.
وقد حوّل الاتحاد الأوروبي هذه الأدوات إلى قانون. فبموجب لائحة السلامة العامة (الاتحاد الأوروبي) 2019/2144، باتت المساعدة الذكية على ضبط السرعة، والتحذير من نعاس السائق وتشتّت انتباهه، والكبح الآلي في حالات الطوارئ، والحفاظ على المسار في حالات الطوارئ، إلزاميةً في جميع السيارات الجديدة المسجّلة في الاتحاد الأوروبي منذ 7 تموز 2024. واللافت أنّ أنظمة رصد النعاس وتشتّت الانتباه ملزَمة بمعالجة البيانات ضمن حلقة مغلقة، من دون الاحتفاظ بها أو مشاركتها: إنها الخصوصية المدمجة في التصميم.
2. الذكاء الاصطناعي على جانب الطريق وفي ضبط المخالفات
خارج المركبة، تستطيع كاميرات الرؤية الحاسوبية رصد تجاوز السرعة، وقطع الإشارة الحمراء، وعدم وضع حزام الأمان، واستعمال الهاتف باليد. ويمكن للنماذج التنبّؤية التي تجمع بين سجلّ الحوادث وحركة السير والأحوال الجوية أن ترسم خريطة النقاط الساخنة، بما يتيح للشرطة نشر الدوريات وللمهندسين إعادة تصميم التقاطعات الخطرة. كما يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليص "الساعة الذهبية": فالرصد الآلي للحوادث، سواء عبر أنظمة النداء الطارئ في المركبات أو عبر الهواتف الذكية، قادر على تنبيه سيارات الإسعاف مع إحداثيات دقيقة، فيما تُفسح إشارات السير المتكيّفة الطريق أمامها.
3. التركيز على السائقين الشباب
يجمع السائقون الشباب بين قلّة الخبرة وميلٍ أكبر إلى المخاطرة. وتقدّم التلماتية (المعلوماتية المرورية عن بُعد) جوابًا موجّهًا. إذ تستطيع تطبيقات الرخصة المتدرّجة تسجيل السرعة، والكبح الحادّ، والقيادة الليلية، واستعمال الهاتف خلال فترة التجربة، مع تقديم الملاحظات إلى السائق، وبموافقته إلى الأهل أو شركات التأمين. والمكافآت، كخفض أقساط التأمين، تجعل القيادة الآمنة جذّابة لا مجرّد إلزامية. وإذا اقترنت هذه البيانات بقانون السير رقم 243 لعام 2012 ونظام رخصة القيادة بالنقاط، أمكنها أن تدعم التوجيه والتدخّل المبكر بدلًا من الاكتفاء بالردود العقابية.
4. الضمانات القانونية: فعالية من دون تعسّف
تعالج هذه الأدوات بيانات شخصية، وبعضها يُفضي إلى عقوبات. ويجب أن يواكبها القانون. أولًا، يجب أن تستند المعالجة إلى القانون رقم 81 لعام 2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، مع تحديد الغاية، وقِصَر مدة الحفظ، وحجب هوية المارّة. ثانيًا، يجب أن تكون المراقبة متناسبة: كاميرات تبرّرها مخاطر موثّقة، لا مراقبة شاملة. ثالثًا، الأصول القانونية الواجبة: لا يجوز إصدار أي غرامة آلية من دون مراجعة ضابط مؤهّل، ومعدّات مصدّقة ومعايَرة، وحقّ الاطلاع على الأدلة، وحقّ فعلي في الطعن أمام هيئة مستقلة، وفي نهاية المطاف أمام القاضي. رابعًا، يجب أن تكون الخوارزميات التي تستخدمها الدولة قابلة للتدقيق، وأن تُختبر لجهة الأخطاء والتحيّز.
5. توصيات عملية للبنان والمنطقة
- مواءمة معايير استيراد المركبات تدريجيًا مع لائحة السلامة العامة للاتحاد الأوروبي، بدءًا بالمساعدة على ضبط السرعة والكبح في حالات الطوارئ.
- إطلاق تجارب لضبط مخالفات السرعة والإشارة الحمراء واستعمال الهاتف بواسطة الذكاء الاصطناعي على أكثر المحاور فتكًا، مع نشر النتائج.
- إطلاق برنامج تلماتي طوعي للسائقين الجدد، مرتبط بحوافز تأمينية.
- دمج التنبيهات الآلية للحوادث في منظومة إرسال الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني.
- إصدار مراسيم تطبيقية بشأن الإثبات الآلي وحفظ البيانات والمراجعة البشرية.
- نشر بيانات سنوية مفتوحة عن السلامة المرورية.
خاتمة
لن تحلّ التكنولوجيا محلّ التربية أو المحاكم. لكنّ الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجعل السلوك الآمن هو القاعدة، وأن يرصد الخطر في الوقت المناسب، وأن يطبّق القانون بإنصاف. وبالنسبة إلى بلدٍ يخسر عددًا كبيرًا جدًا من أرواح شبابه على طرقاته، فإنّ اعتماد هذه الأدوات ضمن إطار قانوني سليم ليس ترفًا؛ بل هو واجب.